عن جريمة الاغتصاب وتغييب الدولة

موجز الخبر الذكي ✨
- غياب الدولة والقانون في اليمن يجعل الضحية تبحث عن الأمان والستر قبل العدالة.
- في أوروبا، الدولة ومؤسساتها تحمي الضحية وتضمن حقوقها بعيدًا عن الأعراف الاجتماعية.
- المطلوب هو بناء دولة قانون في اليمن تحمي الضحية وتجعل كرامة الإنسان فوق كل اعتبار.
يكشف المقال عن التحديات التي تواجه ضحايا الاعتداء الجنسي في اليمن بسبب غياب الدولة والقانون، مقارنة بالدول التي تحمي مؤسساتها الضحايا. ويدعو إلى بناء دولة قانون تحمي كرامة الإنسان.
حين تقع جريمة اغتصاب أو اعتداء جنسي في اليمن، ينبري بعض الناشطين سريعا إلى عقد مقارنة جاهزة: لماذا تكون أوروبا “الكافرة” كما يطلقون عليها تندرا ، أكثر صرامة وعدلا في هذه القضايا من مجتمعاتنا التي ترفع شعارات الدين والأخلاق؟
السؤال في ظاهره صادم، لكنه في جوهره ناقص. لأن المشكلة ليست في المقارنة نفسها، بل في الطريقة التي نفهم بها المقارنة. الفارق الحقيقي ليس بين “مجتمع غير مسلم ” و“مجتمع مسلم ”، بل بين دولة تملك قانونا ومؤسسات وتحقيقا وطب شرعي وحماية للضحية، وبين بلد أنهكته الحرب والفساد وغياب الدولة، حتى صارت الضحية تبحث عن الأمان قبل العدالة، وعن الستر قبل القانون، وعن جهة لا تحول ألمها إلى عار.
في اليمن، لا تقف الضحية أمام الجاني وحده، بل أمام مجتمع يخاف الفضيحة، وقانون ضعيف، ومؤسسات منهكة، ونفوذ قادر على دفن الحقيقة أو تحويلها إلى مساومة. لذلك لا تكون الجريمة وحدها هي المأساة، بل الطريقة التي يعاد بها إنتاج الألم: مرة عبر الاعتداء، ومرة عبر الصمت، ومرة عبر تحويل الضحية إلى موضوع للعار بدل أن تكون صاحبة حق في الحماية والإنصاف.
أما في أوروبا، فالقوة ليست في كونها “كافرة” أو “مؤمنة”، بل في أن الدولة حاضرة. هناك شرطة تعمل، وقضاء قائم، وطب شرعي، وضمانات قانونية، ومؤسسات لا تنتظر رضا القبيلة أو العائلة أو الحزب. الجريمة لا تعامل غالبا كفضيحة عائلية، بل كملف جنائي وحقوقي، والضحية لا يفترض أن تحمل عبء العار بدل الجاني.
لكن المفارقة أن بعض من يستخدمون هذه المقارنة يعيشون في بلد الدولة الجاهزة. هم ينتفعون من مؤسسات لم يدفعوا كلفة بنائها، ومن قوانين لم يخوضوا معركة تأسيسها، ومن حقوق راكمتها أجيال طويلة من النضال السياسي والمدني والقانوني. لذلك تبدو المقارنة سهلة من موقع الراحة، لكنها تصبح ناقصة حين لا تتحول إلى مسؤولية تجاه بلداننا الأصلية.
المطلوب ليس أن نستعير أوروبا للسخرية من مجتمعاتنا، ولا أن نحول المقارنة إلى جلد ديني أو ثقافي، بل أن نسأل السؤال الحقيقي: لماذا فشلنا في بناء دولة تحمي الضحية؟ لماذا بقيت كرامة الإنسان أضعف من العيب؟ ولماذا ما زال النفوذ أقوى من القانون؟
المقارنة المفيدة هي التي تقودنا إلى استعادة فكرة الدولة في اليمن: دولة القانون لا دولة الفضيحة، دولة حماية الضحية لا محاكمة الضحية، دولة المؤسسات لا دولة الصمت والوساطات.
فالمشكلة ليست في نقص الشعارات الأخلاقية، بل في غياب الدولة التي تجعل كرامة الإنسان فوق العيب، وفوق الخوف، وفوق النفوذ.






