مطار صنعاء وقرصنة الأجواء.. عندما يتنفس الحوثي من رئة طهران
في عالم الطيران المدني، تُقاس كفاءة المطارات بعدد المسافرين الذين تجمعهم بأحبائهم، أو بفرص الحياة التي تمنحها لمرمى علاج أو مقعد دراسة. لكن في صنعاء، تبدو المعادلة مقلوبة؛ فالمطار هناك لم يعد بوابة لليمنيين نحو العالم، بل تحول بقرار حوثي متعمّد إلى رهينة سياسية وعسكرية، يُراد لها أن تفتح أجواءها فقط لمن يخدم مشروع “الولي الفقيه”، حتى لو كان الثمن عزل ملايين المواطنين خلف جدران حصار داخلي خانق.
لم تكن حادثة احتجاز المليشيات لأربع طائرات تابعة للخطوط الجوية اليمنية، وتجميد أكثر من 120 مليون دولار من أرصدتها، مجرد سلوك عشوائي لجماعة مأزومة. إنها خطة ممنهجة لتدمير ما تبقى من رمزية للناقل الوطني الوحيد. الغريب ليس في سلوك القرصنة الحوثي، بل في تلك “الوقاحة السياسية” التي تحاول من خلالها المليشيا قلب الحقائق، وتحميل الحكومة الشرعية مسؤولية توقف الرحلات، في مشهد يجسد أبشع صور التضليل والاستخفاف بعقول اليمنيين البؤساء.
تتباكى المليشيات على إغلاق المطار، لكنها في الآن ذاته ترفض كل مبادرات التهدئة والمرونة التي قدمتها الحكومة بالتنسيق مع الأشقاء في التحالف لتسيير رحلات آمنة ومنتظمة إلى عمان وغيرها. وبدلاً من قبول البدائل الوطنية السيادية، تصر الجماعة على فتح خط جوي مباشر مع طهران عبر شركة “ماهان إير”. وهنا تسقط كل الأقنعة الإنسانية؛ فالقصة ليست سفر مرضى، بل رغبة مستميتة في شرعنة خط إمداد جوي مشبوه، عُرف دولياً بنقل السلاح والخبراء والفوضى.
إن قرار الحكومة بمنع طائرات “ماهان” هو تجسيد حقيقي لمفهوم السيادة والأمن القومي. اليمنيون ليسوا بحاجة إلى طائرات إيرانية تزيد من عزلتم وتعمق مأساتهم، بل هم بحاجة إلى ناقل وطني قوي يحميهم ويحمي كرامتهم.
المعركة اليوم ليست خلافاً على جدول رحلات أو قيمة تذاكر، بل هي معركة وجودية بين منطق الدولة التي تحاول الحفاظ على مؤسساتها وسيادتها، ومنطق المليشيا التي تريد رهن قرار ومقدرات البلد لقوى خارجية. إن استمرار عسكرة الملف الإنساني من قبل الحوثيين لن يغير من الحقيقة شيئاً: صنعاء ستبقى عربية، ومطارها يجب أن يظل يمنياً خالصاً، بعيداً عن أجنحة التهريب الإيرانية.
