موت الجدران: 6G والعين التي ترى ما وراءها
د. محمد العرب
كنا نظن أن إغلاق الهاتف يعيد إلينا خصوصيتنا، وأن إطفاء الكاميرا يحجب صورتنا، وأن الجدار آخر خط دفاع بين الإنسان والعالم الخارجي، ولكننا نقف اليوم أمام تحول تقني قد يعيد تعريف كلمة «الخصوصية» نفسها…!
السؤال لم يعد: ماذا يعرف هاتفك عنك؟
السؤال الأخطر هو: ماذا لو استطاعت الشبكة أن تعرف أنك موجود حتى من دون هاتف؟
هذا هو الجانب الأكثر حساسية في الأبحاث المرتبطة بالجيل السادس للاتصالات 6G، الذي يُتوقع أن تبدأ ملامح انتشاره التجاري قرابة عام 2030.
باحثون وخبراء في ألمانيا، ومن بينهم البروفيسور Tobias Keber، المتخصص في قانون تقنية المعلومات وحماية البيانات، أثاروا المخاوف المرتبطة بتطور قدرات الاستشعار الراديوي وشبكات المستقبل. وهي مخاوف لا ينبغي التعامل معها باعتبارها خيالًا علميًا، كما لا ينبغي في المقابل تضخيمها والقول إن أبراج 6G ستتحول حتمًا إلى أجهزة تجسس ترى كل ما يحدث خلف كل جدار.
الحقيقة تقع في منطقة أكثر تعقيدًا، أحد الاتجاهات المهمة في أبحاث 6G يسمى Integrated Sensing and Communication – ISAC، أي «دمج الاستشعار والاتصالات».
والفكرة ثورية ببساطة: البنية التحتية اللاسلكية التي اعتدنا أن تكون وظيفتها نقل البيانات يمكن أن تؤدي مستقبلًا وظيفة إضافية، وهي استشعار البيئة المحيطة بها من خلال تحليل انعكاسات الموجات الراديوية.
هنا يتغير كل شيء، فالإنسان نفسه يعكس الموجات، حركته تغيرها، وجوده يؤثر فيها، بل إن الحركات الدقيقة جدًا للجسم، ومنها حركة الصدر أثناء التنفس، يمكن في ظروف وتقنيات معينة أن تترك بصمة قابلة للتحليل.
وهكذا قد ننتقل تدريجيًا من شبكة «تتصل بالأجهزة» إلى شبكة تستطيع أيضًا استنتاج ما يحدث حول الأجهزة وبينها، وهنا تبدأ المشكلة الأخلاقية الكبرى…!
لأن معظم فلسفة الخصوصية الرقمية الحالية مبنية على وجود جهاز: هاتف، حاسوب، ساعة ذكية، كاميرا أو حساب إلكتروني، تستطيع إغلاق الهاتف، يمكنك تعطيل تحديد الموقع، تستطيع رفض إذن الكاميرا، ويمكنك ترك الساعة الذكية في المنزل.
ولكن ماذا تفعل إذا أصبحت البيئة الاتصالية نفسها قادرة على استنتاج وجودك؟
كيف تقول لموجة راديوية: لا تراقبني؟
هذا السؤال قد يصبح واحدًا من أهم أسئلة الحقوق المدنية في العقد المقبل، ومع ذلك، علينا أن نكون دقيقين.
لا توجد حقيقة علمية اليوم تقول إن برج 6G في الشارع سيستطيع عام 2030 أن «يرى» بالتفصيل ما يفعله كل إنسان داخل غرفة نومه.
الاستشعار خلف العوائق تحكمه عوامل شديدة التعقيد: نوع الجدران، المسافات، الترددات، قوة الإشارة، هندسة الهوائيات، كثافة أجهزة الاستشعار، البيئة المحيطة، إضافة إلى قدرة الخوارزميات على فصل الإشارات وتحليلها.
هناك فرق كبير بين تجربة ناجحة في مختبر وبين مراقبة ملايين المنازل في مدينة كاملة.
لكن الخطأ الأكبر سيكون استخدام هذه القيود الحالية ذريعة للاطمئنان.
فالتاريخ التكنولوجي يعلمنا أن قدرات الأمس المستحيلة تتحول سريعًا إلى منتجات يومية.
قبل سنوات قليلة كان التعرف الآلي الدقيق على الوجوه أمرًا معقدًا، وكانت السيارات ذاتية القيادة تبدو خيالًا، وكان الحديث الطبيعي مع آلة مشهدًا من أفلام المستقبل، ثم جاءت الخوارزميات وغيرت قواعد اللعبة.
والذكاء الاصطناعي تحديدًا هو ما يجعل مستقبل الاستشعار الراديوي أكثر حساسية؛ لأن المسألة لن تعتمد على قوة الموجة وحدها، بل على قدرة الآلة على استخراج أنماط خفية من كميات هائلة من البيانات.
لكن لهذه التكنولوجيا وجهًا آخر مذهلًا، تخيل منزلًا يكتشف سقوط مسن وحيد فيطلب النجدة تلقائيًا، تخيل مستشفى يراقب التنفس دون أجهزة معلقة بجسد المريض، تخيل رجال إنقاذ يستطيعون معرفة وجود ناجين خلف الأنقاض، وتخيل مدينة تستطيع إدارة الحشود والمرور والكوارث بكفاءة غير مسبوقة.
هذه ليست تقنية شريرة، بل قد تصبح واحدة من أعظم أدوات إنقاذ البشر.
المشكلة ليست فيما تستطيع التكنولوجيا فعله، بل فيمن يملك حق تشغيل قدراتها، وعلى من، وتحت أي قانون.
فالأداة التي تبحث عن ناجٍ تحت الأنقاض يمكن، إذا أسيء استخدامها، أن تبحث عن مواطن خلف جدار.
والمنظومة التي تراقب تنفس مريض لإنقاذ حياته يمكن أن تصبح، في بيئة مختلفة، وسيلة لجمع معلومات لم يوافق صاحبها على تقديمها.
لذلك يجب ألا ننتظر عام 2030.
التشريع يجب أن يسبق البرج، ويجب أن يظهر مفهوم قانوني جديد: حق الإنسان في عدم الاستشعار داخل مساحته الخاصة دون موافقته أو سند قانوني صارم.
فخصوصية المستقبل لن تكون حماية رسائلك وصورك فقط، قد تشمل حماية وجودك الفيزيائي نفسه من أن يتحول إلى بيانات…!
لقد أمضينا سنوات نخشى أن تتجسس علينا هواتفنا، لكننا قد ندخل عصرًا يصبح فيه السؤال أكثر إثارة للقلق:
ماذا لو لم تعد الشبكة بحاجة إلى هاتفك كي تعرف أنك هناك؟
عندها لن تكون المعركة على سرعة 6G.
بل على آخر حدود الإنسان، لأن أخطر شبكة في التاريخ لن تكون الشبكة التي تعرف ماذا نقول… بل الشبكة التي تعرف أننا موجودون حتى عندما نصمت.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الوئام , ولا يعبر عن وجهة نظر حضرموت نت وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الوئام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة على المصدر السابق ذكرة.
اسأل أي سؤال يتعلق بهذا الخبر