مأرب ليست مجرد جبهة على خارطة الحرب، بل عنوان معركة اليمن على البقاء
موجز المقال الذكي AI ✦
- مأرب هي رمز للجمهورية اليمنية ووحدة الشعب.
- مأرب تواجه ضغوطاً عسكرية وسياسية واقتصادية من المليشيات.
- مأرب استطاعت أن تمنع خصومها من تحقيق هدفهم الأكبر في الحرب.
مأرب هي الصخرة التي تعثرت عليها المليشيات، وستظل رمزاً للجمهورية اليمنية، وتعكس روح اليمنيين جميعاً.
،والصخرة التي يتحدد عندها مصير اليمن
بقلم /نصيب محمد الحارثي:
غالباً ستكون مأرب، وعلى وجه التحديد، فاصلةً في تاريخ الصراع اليمني، ومحطةً حاسمة في تحديد مستقبل اليمن كله فالمعركة في مأرب لم تكن يوماً مجرد معركة للدفاع عن مدينة أو محافظة، ولم يكن الانتصار فيها يعني فقط حماية حدودها، بل إن النصر الحقيقي في مأرب هو استعادة ما فُقد من الأرض، واستعادة المبادرة، وفتح الطريق نحو وطنٍ استُنزف طويلاً في حربٍ لم تكن مأرب فيها مجرد ساحة قتال، بل كانت خط الدفاع الأول عن فكرة الجمهورية وعن بقاء اليمن موحداً
مأرب هي الصخرة التي تعثرت عندها جحافل المليشيات، وانكسرت على حدودها أنساق المهاجمين، وتهاوت أمام صمود رجالها محاولات فرض الأمر الواقع بالقوة، وهي اليوم ليست مجرد جبهة عسكرية، بل ركن من أركان الجمهورية، يتطلع إليها اليمنيون في الداخل والخارج باعتبارها واحدة من آخر القلاع التي ما زالت تحمل في وجه العاصفة راية الدولة والجمهورية والوطن وهي الأمل المتبقي للجمهورية.
ولذلك فإن مأرب ليست قضية المأربيين وحدهم، ولا قضية أبناء منطقة بعينها مأرب قضية اليمن كله فقد امتزجت على ترابها دماء أبناء اليمن من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب سقط فيها رجال من حضرموت والمهرة وأبين وشبوة وتعز وإب والبيضاء وصنعاء وعمران وعدن وذمار وريمة وسائر المحافظات، وتركوا خلفهم حكاية وطنية تقول إن مأرب يوم احتاجت إلى اليمنيين لم تسألهم من أي محافظة جاؤوا، ولم ترفع في وجوههم بطاقة المناطقية، بل فتحت لهم ترابها ليقفوا جميعاً في خندق واحد.
في مأرب سالت دماء الآلاف من الشهداء والجرحى دفاعاً عن أرضٍ لم تكن تخصهم وحدهم، وإنما كانوا يرون فيها آخر المتارس الفاصلة بين مشروع الدولة ومشروع المليشيا، وبين اليمن الذي يحلم به أبناؤه واليمن الذي يراد له أن يكون تابعاً لمحاور خارجية.
ومن هنا يمكن فهم لماذا كانت مأرب هدفاً بهذا الحجم، ولماذا تعرضت لضغوط عسكرية وسياسية واقتصادية هائلة على مدى سنوات ،فمنذ اشتداد المعارك حولها، تحولت جبهاتها إلى واحدة من أعنف ساحات القتال، وفي مراحل معينة كانت الجبهات الأخرى تهدأ بينما تبقى مأرب مشتعلة أُرسلت إليها موجات متتالية من المليشيات للقتال وتغيرت الخطط والهجمات، واستخدمت المليشيات أسلحة متعددة التي استولت عليها من مخازن الدولة، من الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى مختلف وسائل الإسناد الجوي والميداني، وكانت كل موجة هجومية تتبعها موجة أخرى، أي أنساق تلو أنساق وكأن الهدف لم يكن مجرد التقدم العسكري، بل كسر إرادة المدينة وإسقاط رمزها.
لكن مأرب لم تسقط ،أنكسرت الهجمات على جبالها، وارتدت صرعا الموجات البشرية أمام صلابة المدافعين عنها، وبقيت الجبهة واقفة رغم سنوات الحرب والاستنزاف وحين اشتد الضغط، على المليشيات و الاستنزاف جاءت الهدن والمبادرات والضغوط الدولية لتعيد ترتيب المشهد،لتنجو من تلك المحرقة ولكن فإن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن مأرب استطاعت أن تصمد في واحدة من أصعب مراحل الحرب رغم فارق التسليح والعتاد، وأن تمنع خصومها من تحقيق هدفهم الأكبر
ولأن مأرب تقع في قلب المعادلة اليمنية، فإن سقوطها لو حدث لم يكن ليكون حدثاً عسكرياً عابراً ، بل كان سيعيد رسم خارطة الصراع بأكملها، ويفتح أبواباً سياسية وعسكرية واقتصادية أمام مشروع الانقلاب، ويضع بقية المناطق أمام واقع أكثر قسوة ولهذا ارتبطت مأرب في وجدان اليمنيين بفكرة أكبر من حدودها الجغرافية ،فكرة أن هناك مكاناً ما لا يزال يقول إن الجمهورية لم تمت، وإن اليمن لم يستسلم.
ومن الخطأ أن يُختصر دور مأرب في الدفاع فقط فمأرب التي صمدت سنوات طويلة قادرة، متى توفرت الإرادة والقرار ووحدة الصف، على أن تتحول من جبهة دفاع إلى نقطة انطلاق لاستعادة ما فُقد من الوطن وهي اليوم تثبت ذلك بالتقدم بالجبهات .
فالمعارك لا تُحسم دائمًا بكثرة السلاح وحدها، وإنما بالإرادة، وبوحدة الهدف، وبالإيمان بأن الأرض التي دافع عنها الرجال بدمائهم لا يجوز أن تتحول إلى مجرد خطوط على خريطة ،لقد دفعت مأرب ثمناً باهظاً، ودفع اليمن كله معها شهداؤها ليسوا أرقاماً، وجرحاها ليسوا مجرد إحصاءات، وكل بيتٍ فقد عزيزاً في هذه المعركة يحمل جزءاً من قصة اليمن ولذلك فإن الوفاء لكل أولئك الذين رحلوا لا يكون بالشعارات وحدها، وإنما بالحفاظ على الهدف الذي قاتلوا من أجله وطنٌ يتسع لجميع أبنائه، ودولةٌ لا تحكمها المليشيات، وجمهوريةٌ لا تُختزل في جماعة أو سلالة أو منطقة ،مأرب اليوم أمام مسؤولية تاريخية، واليمن أمام لحظة تاريخية أيضاً فإذا كان الصراع قد جعل منها طوال سنوات الحرب جداراً صدَّ العاصفة، فإن المرحلة القادمة يجب أن تجعل منها نقطة تجمع للقوى الوطنية، ومنصة لإستعادة الدولة، ومشروعاً يتجاوز الجغرافيا والمناطقية والثأر السياسي.
مأرب ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بدايته ،هي الصخرة التي لم تستطع الموجات المتلاحقة اقتلاعها، وهي الأرض التي امتزجت عليها دماء اليمنيين من كل المحافظات، وهي الرسالة التي تقول إن الوطن مهما أثقلته الجراح يستطيع أن يقف من جديد ،ولهذا فإن الدفاع عن مأرب ليس دفاعاً عن مدينة فحسب، واستعادة ما فقدته جبهتها ليست مجرد عملية عسكرية إنها معركة على معنى اليمن نفسه هل يكون وطناً موحداً تحكمه الدولة والقانون، أم يتحول إلى ساحات نفوذ تتقاسمها المليشيات والمشاريع الخارجية؟وفي كل الأحوال، سيبقى التاريخ شاهداً على حقيقة واحدة، أن مأرب لم تكن يوماً هامشاً في قصة اليمن، بل كانت في قلبها، وأن الرجال الذين وقفوا على جبالها ووديانها وسقوا ترابها بدمائهم لم يكونوا يدافعون عن مأرب وحدها، بل كانوا يدافعون عن فكرة وطن.
اسأل أي سؤال يتعلق بهذا الخبر








