المؤامرة.. تفسير جاهز لكل حدث غامض

أ.د. رياض بن حمد العمري

حين يقع حدث كبير أو غامض، يحاول الناس بطبيعتهم فهم ما يجري والبحث عن أسبابه. ومع سرعة تداول الأخبار في وسائل التواصل، تظهر أحيانًا تفسيرات تذهب مباشرة إلى فكرة المؤامرة؛ فتُربط وقائع متفرقة ببعضها، ويُبحث عن طرف خفي وراء المشهد. وقد يكون هذا الاحتمال واردًا، لكن المشكلة تبدأ حين يصبح هو التفسير الأقرب لكل ما يصعب فهمه.

ولا شك أن المؤامرات وقعت منذ فجر التاريخ ولا تزال، وقد تقف وراءها دوافع ومصالح مختلفة. ولذلك فليس المقصود إنكار وجودها، وإنما التمييز بين احتمال وقوعها والجزم بأنها وقعت فعلًا.

ويظهر تفسير الأحداث بالمؤامرة كثيرًا في القضايا السياسية، لكنه لا يقتصر عليها؛ بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية. فقد تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي إشاعة، فيقال إن وراءها جهة تريد تحقيق هدف معين. وقد تبرز قضية مستغربة في المجتمع، فيذهب بعض الناس إلى أن وراءها مؤامرة.

وفي بيئة العمل قد يُفسَّر قرار إداري بسيط بأنه تدبير مقصود لإبعاد شخص أو الإضرار به، وقد تتحول مشكلة أسرية أو اجتماعية إلى سلسلة من الظنون حول أطراف خفية تقف وراءها. وحتى بين الأصدقاء قد يُحمَّل موقف عابر أو تصرف غير مقصود ما لا يحتمل، ثم تُجمع أحداث سابقة لتكوين قصة تبدو متماسكة.

والفرق كبير بين قبول احتمال وبين الجزم بوقوع مؤامرة فعلًا. فالاحتمال وحده لا يكفي، وكثرة تداول الرواية لا تجعلها حقيقة.

وتزداد الإشكالية حين يُحمَّل كل ما يحدث على أنه تأكيد للرواية؛ فإن ظهرت قرينة تحتمل أكثر من تفسير عُدَّت دليلًا قاطعًا عليها، وإن لم يظهر دليل قيل: إن الحقيقة أُخفيت، وإن صدر نفي قيل: إنه جزء من التغطية. وهنا يصبح من الصعب على أصحاب فكرة المؤامرة مراجعتها؛ لأنهم يجدون تفسيرًا لكل اعتراض عليها.

والواقع أن كثيرًا من الأحداث قد تكون لها أسباب أبسط وأقرب؛ فقد يكون الخلاف نتيجة سوء فهم، ويكون القرار في بيئة العمل مرتبطًا بأسباب إدارية، وقد تكون المعلومة الطبية غير دقيقة، وقد يكون الحدث السياسي نتيجة عوامل متعددة، لا خطة واحدة محكمة.

ومن جهة المنهج الشرعي، يأتي التوجيه بالتثبت من الأخبار قبل بناء الأحكام، وبالنهي عن الظن الذي لا يقوم على دليل؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، وقال أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. فليس كل ما يُروى يُقبل، ولا كل ما يُظن حقيقة.

ويبقى القول بوجود مؤامرة في حدث معين مجرد دعوى، والدعوى لا تتحول إلى حقيقة بكثرة تداولها، وإنما بما يقوم عليها من دليل.

 

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الوئام , ولا يعبر عن وجهة نظر حضرموت نت وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الوئام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة على المصدر السابق ذكرة.

انضم إلى قناة حضرموت نت على واتساب

تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك

انضمام

اسأل الخبر مساعد ذكي يجيب اعتمادًا على سياق الخبر ومحتوى الموقع فقط

اسأل أي سؤال يتعلق بهذا الخبر

جارِ تحميل الأسئلة المقترحة...
زر الذهاب إلى الأعلى