اخبار مصر اليوم - «مرحبًا به في مجمع الخالدين».. طه حسين: مؤرخو الآداب لن يستطيعوا نسيان توفيق دياب

المصري اليوم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

فى الرابع عشر من نوفمبر عام ١٩٦٧ خرجت صحيفة «الأهرام» وعلى صفحتها الأولى نقرأ عزاءً ينعى إلى والعالم العربى والإسلامى رائد الصحافة الوطنية توفيق دياب يقول نصه: «توفى، أمس، الصحفى الكبير والخطيب المفوه محمد توفيق دياب عن ٧٩ عامًا، ولقد لمع اسم توفيق دياب فى أواخر العشرينيات وطوال الثلاثينيات، واقترن اسمه بالجهاد الوطنى ومكافحة الطغيان الملكى والاستعمار البريطانى، ولا سيما منذ توليه رئاسة تحرير (الجهاد) التى تم تعطيلها مرات عديدة بسبب ضراوة افتتاحياتها».

ونقرأ باقى النعى فى الصفحة السابعة من الأهرام وجاء فيه: «وقد تعلم توفيق دياب الخطابة علمًا فى أوروبا، ومارسها عملًا بعد عودته، وكان فى عرف البعض أخطب خطباء مصر بين 1930 و1940، وقد اعتزل الحياة العامة منذ فترة طويلة مكتفيًا بنشاطه فى المجمع اللغوى الذى كان عضوًا فيه».. ولعل آخر مقالاته ما نشره فى جريدة «الأهرام»، يوم ١٧ ديسمبر عام ١٩٥٥ بعنوان «والأمة المصرية تغلى حفيظتها»، منددا بإسرائيل وبمساندة أمريكا لها، وكان- رحمه الله- فى قمة حيويته شعلة إذا خطب، ولهبًا إذا كتب، وكانت سيرته صفحة من تاريخ البلاد وصراعاتها».

كان هذا نص النعى فى الصفحة الأولى للأهرام التى كان عمود توفيق دياب هو أول الأعمدة الصحفية فيها، هذا غير نعيه فى عمود صحفى كامل (العمود الأول) فى نفس العدد من الصحيفة والصفحة السابعة حيث نعته جهات كثيرة كان منها المجمع اللغوى «مجمع الخالدين».

ومما جاء فى نعى المجمع اللغوى الذى كان دياب أحد أقطابه: «ينعى مجمع اللغة العربية شيخًا من شيوخ الأدب والصحافة، وهو المرحوم محمد توفيق دياب قضى ثلاثين عاما يملك الأسماع بصوته العذب ويستولى على القلب ببيانه الواضح ومنطقه القويم واتخذ من جريدة الجهاد منبرا يرسل منه الكلمة تنير الطريق وتوجه نحو الرأى السليم وقد أبلى بلاء حسنا فى سبيل مبادئه ودافع فى حماس عن قضيته وسما إلى مستوى رفيع بين قادة الرأى من كبار الصحفيين ثم انضم فى السنوات الأخيرة إلى أسرة الخالدين وأسهم فى تطويع اللغة لمقتضيات العصر وحاجات العلم والحضارة، وكان يؤمن بأن الفكرة تزداد وضوحا إذا ما اصطفت إلى قالب لفظى لين بين، وأن الأمة تنهض وتتقدم بنهوض لغتها وتقدمها فقدناه ففقدنا فيه الأدب الصافى والخلق السمح والزميل الكريم.. تغمده الله برحمته وجزاه عما قدمه لأمته ولغته نعم الجزاء.

لم تكن الأهرام هى الصحيفة الوحيدة التى نعته، فقد نعته صحف أخرى كان منها جريدة الأخبار خاصة لما كان يحمله له الشقيقان مصطفى وعلى أمين من تقدير وعرفان.

لكن لنعد إلى طقوس الاستقبال والترحيب بتوفيق دياب عضوا فى مجمع الخالدين «مجمع اللغة العربية» والذى تفرغ للنشاط فيه مابقى من سنوات حياته، فقد استقبله عميد الأدب العربى طه حسين بكلمة مطولة نقف بجلاء من خلالها على وصف دقيق لتوفيق دياب شخصا ونصا، وهى كلمة تستدعى كل الحواس التى تطل بشغف على توصيف أمين للرجل وتوثيق لمحطات مسيرته وملامحه الإنسانية من الداخل والخارج، وما يتمتع به من روح قتالية ووطنية أصيلة ومتمردة على كل ما هو نمطى، ومثلت كلمة طه حسين توصيفا للسيرة والسمات الشخصية والمسيرة لتوفيق دياب.

وفى كلمته قال الدكتور طه حسين:

قد عرفتك منذ عرفتك، أى منذ زمن بعيد جد، متمردا عصيا أبيا لا تحب الخضوع للنظم، ولا الطاعة للذين يفرضونها عليك وإذا ذكرت التمرد والعصيان، فإنما أذكرهما وأنا ألحظك فى سنيك الأولى، ثم حين كنت صبيا تختلف إلى الكتاب ثم حين اختلفت بعد ذلك إلى المدرسة الابتدائية فى حى من أحياء القاهرة، فكنت دائما تلميذا سيئ السيرة فى فصلك ومدرستك لا تحب نظام المدرسة، ولا تحب أمر الأستاذ والناظر، ولا تحب الكتب المقررة وإنما تتبع هواك، وتعمل كما تريد أنت، لا كما تريد لك نظم التربية والعجيب أنك على ذلك استطعت أن تخلص من المدرسة الابتدائية لكنك لم تستطع أن تستقر فى المدرسة الثانوية التى التحقت بها فما زلت تعبث وتلهو، ولكنه عبث جاد، ولهو صارم، تقرأ فى غير ما يطلب إليك أن تقرأ فيه، وتسمع لغير ما ينبغى أن تسمع له، وتطيع نظما أخرى لا تأتيك من المدرسة، وإنما تأتيك من نفسك الجامحة، وقلبك هذا العصى الذى لا يحب الطاعة ولا يرضاها.

و قد اضطررت إلى أن تترك المدرسة الحكومية، وخيل إليك- فيما يظهر- أن المدارس الحرة أجدر أن تسايرك فى عبثك هذا، فاختلفت إلى مدرسة حرة ولكن نظامك فيها لم يكن نظاما، وطاعتك للمعلمين والنظار لم تكن طاعة واضطرب عليك الأمر، وأشفقت عليك الأسرة، واضطرت إلى أن تنقلك من القاهرة إلى الإسكندرية لعلك تخضع فى هذه البيئة للنظم، فتفرغ من الدراسة، فتنال الشهادة الثانوية آخر الأمر.

وقد انتقلت إلى الإسكندرية بارما ضيقا، ولكن الذين نقلوك إليها لم يلبثوا أن عرفوا أنهم لم يصنعوا شيئا، فقد كنت فى المدرسة الجديدة كما كنت فى المدرستين القديمتين: عصيا وأبيا ومتمردا، تؤثر ما تريد على ما يراد لك وقد تخلفت آخر الأمر عن المدرسة جامحا متبعا هواك، ومخالفا النظم، ومخالفا رأى أسرتك وأبيت إلا أن تدرس على هواك أنت لا هوى وزارة المعارف. والغريب أن هواك فى هذه المرة قد كان موفقا كل التوفيق، فقد أتيح لك أن تختطف الشهادة الثانوية فى سرعة سريعة، وكنت فى أوائل الناجحين.

ثم أردت أن تطلب العلم حيث تحب أنت، لا حيث يحب لك أهلك وذووك. فرحلت إلى بلاد الإنجليز وهناك لم تحفل بالنظم الجامعية البريطانية كما لم تحفل بالنظم التعليمية المصرية، فدرست فى بلاد الإنجليز على هواك كما درست فى مصر على هواك أيضا وليس لهذا كله معنى إلا أنك لم تكن تلميذا طائعا، إنما كنت تلميذا من النوع الذى ينصرف عنه المعلمون والنظار وأساتذة الجامعات ومديروها.

درست فى بريطانيا العظمى كما شئت أنت والغريب أنك أحسنت الدرس، وبلغت من العلم ما أحببت، أو بعض ما أحببت فالذى أعرفه أن حاجتك إلى المعرفة لا تنقضى.

ولكنك لم تعد من بلاد الإنجليز بإجازة معينة ولكنك عدت منها بشىء غريب قلما يعود به الطلاب الذين يرسلون إلى الخارج. عدت وفى نفسك ميل إلى هذه النزعات، نزعات التصوف: التصوف الذى يخرج الناس عن أطوارهم أحيانا، ويدفعهم إلى مثل عليا قلما ترضى عنها الجماعات التى تعمل لحياتها اليومية، فكنت دائما طموحا إلى الخير، مسرعا إليه ما وسع جهدك الإسراع إليه. وكنت دائما حريصا على أن تدعو الناس إلى ما تحب لنفسك. ولم يكن عقلك يستقر فى رأسك إلا أن تدعو إلى هذا الذى تحبه. ولم يكن لسانك يحب الاستقرار فى فمك، وإنما كنت دائما متنقلا برأيك تذيعه هنا وهناك.

ثم أبيت ألا تفرض رأيك واندفاعاتك هذه التصوفية على الناس. فنظمت لنفسك ألوانا من المحاضرات، ولم تلبث أن عنى الناس واحتفلوا لها أشد الاحتفال.

وكانت محاضراتك تشبه أن تكون موسما عقليا فى تلك الأوقات التى كان المصريون ظماء فيها إلى المعرفة، وظماء فيها إلى الأدب، وظماء فيها بنوع خاص إلى هذه الفصاحة التى تخرجهم عن حياتهم الكادحة الجادة، وترفعهم إلى أشياء من هذه المثل العليا يطمحون إليها ولا يكادون يحققونها.

كنت تلقى المحاضرات فى فصول الشتاء عادة- إن صدقتنى الذاكرة- وكنت تلقيها حيث يتاح لك إلقاؤها كنت تلقيها فى ملاعب التمثيل وكانت الجماهير تزدحم على محاضراتك كما تزدحم على الأشياء الخطيرة النفيسة التى يسرع إليها الناس، متهالكين عليها حراصا على شهودها أشد الحرص.

ثم أنشئت الجامعة المصرية القديمة، وأحس المشرفون على هذه الجامعة أنه قد أصبح لك شأن أى شأن! وأن الناس يسمعون إليك ويتحدثون عنك فيطيلون الحديث، وشهد بعض المشرفين على الجامعة شيئا من محاضراتك، فأرادوك على أن تحاضر فى هذه الجامعة، وقد فعلت- فيما أذكر- ولم أكن أنا فى مصر فى تلك الأيام.

ثم أنشئت الصحف الحزبية فى العصر الجديد بعد الثورة الأولى فى سنة 1919 واشتغلت فى صحيفة «السياسة» التى كان الأحرار الدستوريون يصدرونها فى ذلك الوقت.

أيها الزميل:

تلك أيام قد مضت أيها الزميل الكريم، بخيرها وبشرها، ولكنها تركت فى نفوسنا آثارا لا تمحى، تركت فى قلوبنا ذكريات أقل ما تصور لنا هو أننا كنا شبابا نعرف كيف ننهض بالواجب، وكيف نلقى فى سبيله ما نلقى من الشدائد، وكيف نحتمل فى سبيله من الشدائد، وكيف نحتمل فى سبيله ما نحتمل من الخطوب. وما أكثر المغامرات التى دفعت إليها فى حياتك تلك التى لم تعرف نظاما ولا استقرارا ولا طاعة ولا خضوعا، وأنما مضت على سجيتها أشبه شىء بالسيل الذى لم يتخذ لنفسه طريقا مرسومة، كهذه الطرق التى تحفرها، لأنه إنما يجرى حيث يجرى، ويندفع فى غير وجه حيث استطاع أن يندفع.

إن الذين سيؤرخون الآداب فيما بعد- حين يصورون حياتنا الأدبية بين الثورتين- لن يستطعوا أن ينسوا «توفيق دياب»

لن يستطعوا أن يهملوا اسمك بين الأسماء التى سجلت فى التاريخ الأدبى لنفسها ذكرا حسنا رائعا شائقا. فلك أسلوبك الحار العنيف المتدفق الذى ينفذ إلى القلوب.

عزيزي الزائر لقد قرأت خبر اخبار مصر اليوم - «مرحبًا به في مجمع الخالدين».. طه حسين: مؤرخو الآداب لن يستطيعوا نسيان توفيق دياب في موقع حضرموت نت | اخبار اليمن ولقد تم نشر الخبر من موقع المصري اليوم وتقع مسئولية صحة الخبر من عدمه على عاتقهم ويمكنك مشاهدة مصدر الخبر الأصلي من الرابط التالي المصري اليوم

للمزيد من التفاصيل والاخبار تابع حضرموت نت على الشبكات الاجتماعية


إخترنا لك

0 تعليق