من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام.. خارطة طريق مؤسسية صاغتها نخبة من خبراء وصناع القرار

سماح جميل/عدن
شهدت الورشة الختامية لمشروع *اقتصاد السلام في البيئة الاقتصادية والمؤسسية للتعافي وإعادة الإعمار*—الذي نفذته *مؤسسة وجود للأمن الإنساني بالشراكة مع منظمة مبادرة مسار السلام،* وبالتعاون مع *الرابطة الدولية للمرأة من أجل السلام والحرية* *(WILPF)* وبدعم تمويلي *من السفارة الهولندية*—نقاشات مستفيضة ومكاشفات شفافة من قبل كوكبة من وصناع القرار وممثلي الصناديق والمؤسسات الحكومية والأكاديميين والخبراء الاقتصاديين والقانونيين ومثلي منظمات المجتمع المدني.
وقد قدم الحاضرون رؤى نقدية وبدائل عملية تهدف إلى نقل ورقة السياسات المقدمة من قبل *الدكتور سامي محمد قاسم نعمان* من حيز التنظير إلى مسار التطبيق الواقعي المستدام، في مداخلات اتسمت بمسؤولية عالية وطالبت بالخروج من أطر التفكير التقليدي.
*أطروحات الشركاء وصناع القرار.. مكاشفات تشخص الواقع*
وفي خطوة عملية شجاعة، *دعا الأستاذ وضاح عبد السلام (مدير عام التمويل بوزارة الإدارة المحلية)* إلى نقل بوصلة النقاش من مفهوم إعادة الإعمار التقليدي القائم على تشييد المباني إلى اقتصاد السلام القائم على بناء وتأهيل المؤسسات، مع صياغة نموذج تشاركي يضمن دمج القطاع الخاص كشريك بنيوي حقيقي يقود عمليات الإنتاج والاستثمار ويخلق فرص العمل لتجاوز النظرة القاصرة له كمجرد مستفيد، وحث على توسيع نطاق الرؤية الاقتصادية لاستيعاب الاقتصاد غير الرسمي الذي تضخم بفعل الحرب وتعتمد عليه شريحة واسعة من المجتمع لحماية الموارد ومنع هدر الإيرادات العامة،
وهي الرؤية التي *دعمها الدكتور عبد القادر العرابي (الأمانة العامة لمجلس الوزراء)* باقتراحه تحويل هذه الورقة إلى رؤية وطنية شاملة ومرحلية تقدم جاهزة للحكومة والمانحين لضمان توجيه الدعم الفوري وفق أولويات ملحة وعاجلة ومحددة الوزارات.
ولم تكن النقاشات حبيسة النظريات الجافة بل كانت تنبض بآلام الشارع ومستقبل المورد البشري حيث *صدحت الأستاذة نجلاء أحمد الصياد (المدير التنفيذي لشبكة الأمان الاجتماعي / صندوق الرعاية الاجتماعية)* بعبارة رصينة أكدت فيها أن إعادة بناء الإنسان وتأهيله وحمايته تسبق إعادة بناء المباني، مسلطة الضوء على الفئات الأشد فقراً وتأثراً بأزمات التمويل كالأرامل والمعاقين والعمالة غير الرسمية، كاشفةً أن الصندوق كان يغطي 1.5 مليون أسرة بتمويل حكومي كامل حتى 2014، ثم تحول إلى مشروع طارئ ومؤقت عبر البنك الدولي واليونيسف ليغطي 9 ملايين نسمة، ولكنه توقف تماماً في (يناير 2025) لعدم وجود بدائل حكومية نتيجة انقسام الصندوق الاجتماعي للتنمية، مما قلص الدعم الحالي لمشاريع سبل عيش محدودة جداً، كما انتقدت غياب البيانات الدقيقة وقصورها في الورقة مطالبة بدعم المركز الوطني للمعلومات وتفعيل السجل الموحد (النافذة الواحدة).
وفي السياق الإداري ركزت *الأستاذة عائشة غالب (ممثلة وزارة الخدمة المدنية)* على أن رأس المال البشري المؤهل هو الركيزة الأساسية للإصلاح المؤسسي ومطالبة بتحديث تشريعات الخدمة المدنية لاسيما المتعلقة بسن التوظيف والتقاعد ورفع نسبة استيعاب ذوي الإعاقة في سوق العمل والمؤسسات نظراً لتزايد أعدادهم الكبيرة كأحد إفرازات الحرب المباشرة ودعت الدولة إلى التوقف عن ارتهان الخدمات الأساسية بانتظار تمويلات المانحين والاعتماد على الموارد المحلية السيادية البحرية، الزراعية، والمعدنية.
ولأن التعافي لا يكتمل دون بيئة آمنة، وضعت *المهندسة سبأ عمر باوزير (من ديوان الهيئة العامة لحماية البيئة، أخصائية في إدارة المخلفات الإلكترونية)* إصبعها على الجرح بالإشارة إلى ملف البيئة والكوارث كملف منسي ومتجاهل في خطط الإعمار داعية إلى تفعيل الهدف 17 من أهداف التنمية المستدامة (عقد الشراكات) بشكل ملموس ومنتقدة عقلية العمل المنفرد واتخاذ القرارات الأحادية بين الهيئات والوزارات (مثل تداخل عمل صندوق النظافة مع جهات أخرى) ومطالبة بمرونة التنسيق والتكامل.
ومن جانبها، حذرت *الأستاذة أماني زبارة (باحثة اقتصادية واجتماعية بوزارة التخطيط)* من خطورة تداخل الاختصاصات وبناء كيانات موازية تضعف مؤسسات الدولة، داعية إلى التركيز على القطاعات الواعدة كالزراعة والمشروعات الصغيرة مع وضع تمكين المرأة في صلب هذه السياسات والاعتماد على المسوحات القائمة وتقييم الاحتياجات الديناميكية المتوفرة لدى الجهاز المركزي للإحصاء تفادياً لتكرار الجهود المبعثرة.
ولم يغب الجانب التشريعي والرقابي عن الورشة، حيث *وضع الدكتور مهندس علي أحمد حسن (وكيل وزارة الأشغال العامة والطرق)* النقاط على الحروف بالدعوة إلى تحديث القوانين المحلية لحماية الاستثمارات ووقف هجرة رؤوس الأموال منتقداً في الوقت ذاته الهدر المالي لبعض المنظمات الدولية ومطالباً بتوجيه أموال المساعدات والمنح مباشرة لإعادة تأهيل وترميم منازل النازحين المتضررة لتحقيق استقرارهم السكني بدلاً من الإنفاق المؤقت.
إن هذا *المزيج البشري والمعرفي* هو الذي منح النقاشات والمصفوفة الختامية روحاً واقعية وعلمية في آن واحد لتعكس التزاماً صادقاً بالانتقال الفعلي والمدروس من اقتصاد الحرب المدمر إلى فضاء اقتصاد السلام والتنمية المستدامة.
*وبناء على تلك المكاشفات الشجاعة تمثلت الحزمة الإجرائية للتوصيات والمقترحات الصادرة عن الورشة في:*
ضرورة اعتماد مبدأ إعادة بناء الإنسان وتأهيله وحمايته كأولوية قصوى تسبق إعمار المباني لاسيما للفئات الأشد فقراً واحتياجاً والتوقف التام عن استحداث كيانات أو صناديق موازية قد تضعف مؤسسات الدولة مع توجيه الدعم الفوري لإعادة تفعيل الصناديق القائمة المعطلة كصندوق الرعاية الاجتماعية وصندوق المعاقين والصناديق الزراعية والسمكية وتحديث قوانين الخدمة المدنية وتشريعات الاستثمار بما يتوافق مع المواصفات الدولية لمرحلة ما بعد السلام لضمان حماية رأس المال ووقف هجرة الاستثمارات إلى جانب صياغة نموذج اقتصادي تشاركي يدمج القطاع الخاص كشريك بنيوي ويستوعب الاقتصاد غير الرسمي لمنع هدر الإيرادات العامة. كما شددت التوصيات على إلزامية معالجة فجوة البيانات الوطنية عبر تفعيل المركز الوطني للمعلومات والبيانات والسجل الموحد، والبحث عن تمويلات دولية لتحديث المسوحات القديمة مع ترشيد الإنفاق الدولي وتفعيل الرقابة على المنظمات عبر توجيه أموال المساعدات الطارئةظ المهدورة في بدلات الإيجار مباشرة نحو ترميم منازل النازحين لتحقيق استقرارهم السكني ودعوة الدولة للاعتماد على مواردها السيادية المحلية لتمويل الخدمات الأساسية بدلاً من الارتهان للمانحين، فضلاً عن دمج ملف التعافي البيئي ومواجهة التغيرات المناخية كملف محوري وتفعيل الشراكات التنسيقية المرنة بين الهيئات لتجاوز عقلية العمل المنفرد وصولاً إلى تصنيف وتوزيع هذه التوصيات وفق أولويات زمنيّة ومرحلية محددة الوزارات المعنية لسهولة إحالتها ومتابعتها عبر مجلس الوزراء وإشراك خبراء متعددين لتحويل هذه الورقة السياساتية إلى رؤية وطنية شاملة لإعادة الإعمار والتعافي تتواءم مع أولويات الدولة الخمس في استعادة المؤسسات مكافحة الفساد وتوجيه المنح الخارجية وفق الاحتياجات الفعلية للحكومة.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عدن الغد , ولا يعبر عن وجهة نظر حضرموت نت وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عدن الغد ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة على المصدر السابق ذكرة.
[latest_news_x_button]
