من اختطاف الدولة إلى توظيف الجغرافيا: كيف حوّلت ميليشيا الحوثي المناطق الخاضعة لسيطرتها إلى منصة للمشروع الإيراني؟

موجز المقال الذكي AI ✦

  • الحوثيون يوظفون الجغرافيا اليمنية لخدمة الاستراتيجية العسكرية الإيرانية.
  • تحويل الموانئ اليمنية إلى منصات ضغط إقليمي يضر بالاقتصاد الوطني.
  • ارتهان القرار السياسي للحوثيين للمشروع الإيراني يقوض السيادة اليمنية.

يؤكد الكاتب فيصل المجيدي أن ميليشيا الحوثي حولت المناطق الخاضعة لسيطرتها إلى أداة تخدم المشروع الإيراني، حيث تستغل الجغرافيا اليمنية والموانئ الاستراتيجية في صراعات إقليمية، مما أدى إلى تهميش المصالح الوطنية وتفاقم معاناة المواطنين اليمنيين جراء هذا الارتهان الخارجي.

بقلم / فيصل المجيدي

منذ انقلابها على الدولة اليمنية في سبتمبر 2014، لم تكتفِ ميليشيا الحوثي بالسيطرة على العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات أو باختطاف مؤسسات الدولة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بل انتقلت تدريجيا إلى مرحلة أكثر خطورة تمثلت في توظيف الجغرافيا اليمنية الواقعة تحت قبضتها لخدمة مشروع إقليمي تقوده إيران. ولم تعد تلك المناطق تُدار وفق مقتضيات المصلحة الوطنية اليمنية، بل أصبحت تُستثمر سياسيا وعسكريا بما ينسجم مع أولويات الحرس الثوري الإيراني واستراتيجيته في المنطقة.

وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية؛ فالعلاقة بين الحوثيين وإيران لم تعد تقتصر على الدعم المالي أو العسكري أو الإعلامي، وهي صور عرفتها نزاعات كثيرة في العالم، وإنما تطورت إلى نمط من الارتباط جعل الجماعة تؤدي وظيفة تتجاوز حدود الحركة المحلية، لتصبح ذراعا عسكرية وسياسية ضمن منظومة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.

ولا يحتاج هذا الاستنتاج إلى كثير من الافتراضات، فالوقائع المتراكمة خلال السنوات الماضية تكشف بوضوح أن سلوك الجماعة، في كثير من محطاته، لا يُفسَّر بمنطق المصلحة اليمنية، وإنما بمنطق المشروع الإيراني الأوسع.

فالدولة، في مفهومها القانوني والسياسي تمارس سيادتها عبر قرار وطني مستقل يراعي مصالح شعبها أولًا… أما عندما يصبح قرار الحرب والسلم مرتبطا بحسابات قوة خارجية، وتتحول الأراضي الواقعة تحت سيطرة جماعة مسلحة إلى منصات لإدارة صراعات إقليمية، فإننا نكون أمام حالة تتجاوز التحالف السياسي إلى الارتهان الفعلي للقرار.

لقد سيطرت ميليشيا الحوثي على مؤسسات الدولة في المناطق الخاضعة لها، واستولت على الموارد العامة، وأعادت تشكيل الأجهزة الأمنية والعسكرية، واحتكرت أدوات القوة. غير أن الأخطر من ذلك أنها سخّرت تلك الإمكانات في خدمة أجندة لا تتوقف عند الحدود اليمنية، وإنما تمتد إلى ملفات الصراع الإقليمي الذي تخوضه إيران مع الولايات المتحدة وعدد من الدول العربية.

ويبرز هذا الأمر بصورة أوضح عند النظر إلى الموقع الجغرافي الذي تسيطر عليه الجماعة. فالمناطق الواقعة تحت سيطرتها تضم أجزاءً من الساحل الغربي المطل على البحر الأحمر، إضافة إلى موانئ ومنافذ ذات أهمية استراتيجية. وكان من المفترض أن تُستثمر هذه المزايا لخدمة الاقتصاد الوطني، وتسهيل حركة التجارة، وتعزيز فرص التنمية، غير أنها تحولت إلى أوراق ضغط تستخدم في سياقات إقليمية لا علاقة لها باحتياجات اليمنيين.

فالتصعيد في البحر الأحمر، واستهداف السفن التجارية، وتهديد خطوط الملاحة الدولية، لم ينعكس بأي منفعة على المواطن اليمني الذي يرزح تحت وطأة الحرب والانهيار الاقتصادي، بل أسهم في زيادة عزلة المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، وأضر بالاقتصاد اليمني، ورفع كلفة النقل والتأمين، وأدخل البلاد في مواجهة مع المجتمع الدولي، بينما بقيت معاناة اليمنيين على حالها.

ولعل السؤال الجوهري هنا هو: من المستفيد الحقيقي من تحويل هذه المناطق إلى منصة عسكرية في البحر الأحمر؟

من الصعب الإجابة بأن المستفيد هو اليمن أو المواطن اليمني، لأن الوقائع تشير إلى أن المكاسب السياسية والعسكرية المتحققة تصب في إطار الاستراتيجية الإيرانية الهادفة إلى امتلاك أوراق ضغط إضافية في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين. ولذلك تبدو تحركات الجماعة، في كثير من الأحيان، متزامنة مع إيقاع الأزمات التي تمر بها إيران أو حلفاؤها في المنطقة، أكثر من ارتباطها بأي تطور يخص الداخل اليمني.

ولا يقتصر الأمر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى الخطاب السياسي والعقائدي للجماعة، الذي رسّخ منذ سنوات مفهوم “ولاية الفقيه” والارتباط الفكري والسياسي بالمشروع الإيراني، بما جعل الهوية الأيديولوجية تتقدم على الهوية الوطنية، والانتماء للمشروع العابر للحدود يتقدم على مقتضيات الدولة اليمنية ومصالح مواطنيها.

ولهذا لم يعد مستغربا أن تنخرط الجماعة في معارك وشعارات تتجاوز حدود اليمن، بينما تتراجع الأولويات الوطنية الملحة، مثل دفع الرواتب، وتحسين الخدمات، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وفتح الطرق، وإنهاء معاناة ملايين اليمنيين.

إن أخطر ما أفرزه الانقلاب ليس مجرد سيطرة جماعة مسلحة على أجزاء من الإقليم، وإنما تحويل تلك المناطق تدريجيا إلى مساحة نفوذ إيرانية بالوكالة. فأصبحت الموانئ والسواحل والقدرات العسكرية الموجودة فيها تُستخدم ضمن حسابات إقليمية أوسع، في حين يتحمل السكان المحليون كلفة العزلة الاقتصادية، وتراجع فرص الاستثمار، واستمرار الحرب.

ومن المهم هنا التمييز بين الدولة اليمنية، بوصفها الشخصية القانونية المعترف بها دوليا، وبين سلطة العنف التي تفرضها ميليشيا الحوثي على أجزاء من الإقليم. فالجماعة لا تمثل الجمهورية اليمنية، ولم تحصل على أي اعتراف دولي بوصفها حكومة شرعية، كما أن سيطرتها العسكرية على العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات لا تمنحها صفة الدولة ولا تخولها التصرف بالموقع الجغرافي أو الموارد الوطنية باعتبارها ملكًا لمشروعها السياسي أو لحلفائها الخارجيين.

إن استخدام الجغرافيا الواقعة تحت السيطرة المسلحة لخدمة مصالح دولة أخرى يمثل انتقاصا مباشرا من السيادة الوطنية، ويُحمّل السكان في تلك المناطق أعباء صراعات لم يكونوا طرفًا في صنعها. كما أنه يقوّض فرص السلام، لأن أي تسوية سياسية مستقرة تقتضي أن يكون قرار الحرب والسلم قرارًا وطنيا مستقلًا، لا جزءا من حسابات إقليمية.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن ميليشيا الحوثي لم تكتفِ باختطاف مؤسسات الدولة في المناطق التي تسيطر عليها، بل سعت إلى توظيف موقعها الجغرافي وثرواتها وإمكاناتها العسكرية ضمن مشروع يتجاوز الحدود اليمنية. وبدل أن تتحول تلك المناطق إلى رافعة للتنمية والاستقرار، أصبحت إحدى ساحات الصراع الإقليمي وأداة من أدوات الضغط التي تستخدمها إيران في إدارة مواجهاتها.

ويبقى التحدي الأكبر أمام اليمنيين هو استعادة الدولة ومؤسساتها، ليس فقط لإنهاء الانقلاب، وإنما لإعادة القرار الوطني إلى إطاره الطبيعي، وضمان أن تبقى الجغرافيا اليمنية، بكل ما تمثله من أهمية استراتيجية، في خدمة الشعب اليمني ومصالحه، لا في خدمة مشاريع إقليمية مهما كانت شعاراتها أو مبرراتها.

زر الذهاب إلى الأعلى