لايمكن معالجة الجوع بإدارة الجائع

‏ بقلم: سامي الكاف

‏ لا شك أن لقمة العيش عندما تصبح هي الهمّ اليومي الأكبر، لا تعود الأزمة مجرد ضيق اقتصادي، بل تتحول إلى اختبار عميق لمعنى الدولة نفسها؛ فالدولة التي يفترض أن تكون عقداً يحمي كرامة مواطنيها وحقوقهم، تنحدر حين تغيب المؤسسات إلى مجرد سلطة أمر واقع تدير الحاجة وتوزّعها وفق ميزان القوة.
‏لاحظوا معي من فضلكم أن المفارقة الأكثر قسوة أن الميليشيا الحوثية التي صعدت ذات يوم بشعار [لا للجرعة]، وقدّمت نفسها باعتبارها صوتاً للفقراء والمهمشين، أصبحت اليوم تنظر إلى الحديث عن الجوع أو المطالبة بالراتب بوصفه فعلاً يستدعي القمع أو التخوين أو الابتزاز.
‏بالطبع لا تكمن المفارقة في تبدّل الخطاب فحسب، بل في انكشاف المسافة بين “الشعارات” حين تكون وسيلة للوصول إلى السلطة، و”الممارسة” حين تصبح السلطة غاية في ذاتها.
‏تتبدى الحقيقة، من هذه الزاوية المشار إليها أعلاه، أكثر وضوحاً: الحوثية لم تُنهِ “الجرعة”، وإنما أعادت إنتاجها بصورة أكثر اتساعاً واستمرارية، عبر منظومة متراكمة من الرسوم والجبايات والإتاوات التي تستنزف مجتمعاً أنهكته الحرب والفقر.
‏وبينما يبحث ملايين اليمنيين عن مصدر رزق يحفظ الحد الأدنى من حياتهم، تنشغل الميليشيا الحوثية بابتكار وسائل جديدة لتحصيل الأموال وتوسيع دائرة السيطرة، حتى أصبحت المناسبات والفعاليات المختلفة، بما فيها الدينية والطائفية، أدوات للتعبئة والحشد وجمع الأموال والتجنيد واستقطاب الناس تحت ضغوط متعددة.
‏وهكذا تتحول معاناة الإنسان من قضية تستوجب المعالجة إلى مورد سياسي واقتصادي، ويصبح الفقر نفسه مساحة لمزيد من الإخضاع، في مفارقة تختزل جوهر اقتصاد السيطرة: كلما ازدادت حاجة الناس، ازدادت قدرة السلطة غير المؤسسية على التحكم بهم.
‏ولهذا فإن معركة اليمنيين في تقديري لم تعد، في جوهرها، معركة راتب أو خدمة أو سعر سلعة، رغم أن هذه كلها حقوق أساسية لا يجوز التنازل عنها؛ إنها معركة أعمق لاستعادة الدولة باعتبارها الإطار الوحيد الذي يجعل “الحقوق” حقوقاً لا مِنَحاً، و”المواطنة” قاعدة لا امتيازاً، و”القانون” مرجعاً لا أداة بيد الأقوى. فحين تستعاد الدولة، يستعيد المواطن موقعه الطبيعي باعتباره شريكاً في وطن تحكمه المؤسسات، لا تابعاً لمشروع يحتكر الحقيقة والموارد والقرار.
‏في نهاية المطاف يمكنني القول كخلاصة للمأساة:
‏لا يمكن معالجة الجوع بإدارة الجائع،
‏ولا حماية الكرامة بإدامة الحاجة،
‏ولا بناء المستقبل بتكريس الخضوع.

‏بعبارة أخرى أدق وأوضح:
‏اليمن لا يحتاج سلطة أمر واقع تتقن توزيع الأعباء على مواطنيها، بل دولة تعيد توزيع الفرص والحقوق على أساس المواطنة المتساوية؛ لأن استعادة الدولة – ببساطة شديدة – الشرط الأول لاستعادة الإنسان اليمني لكرامته.

اسأل الخبر مساعد ذكي يجيب اعتمادًا على سياق الخبر ومحتوى الموقع فقط

اسأل أي سؤال يتعلق بهذا الخبر

جارِ تحميل الأسئلة المقترحة...
زر الذهاب إلى الأعلى