ظاهرة قطاع الغاز في مأرب بين هيبة الدولة وسلطة القبيلة

الكاتب/نصيب محمد الحارثي

مشكلة القطاعات والتقطع في مأرب ليست حادثة عابرة، بل جرحٌ مفتوح في جسد الدولة، وظاهرةٌ مؤلمة باتت تهدد حياة الناس وكرامتهم وتحوّل أبسط حقوق المواطن إلى معركة بين القبيلة والسلطة ،في مأرب، وخصوصاً في مديرية الوادي، ترسخت لدى بعض القبائل ثقافة خطيرة إذا عجزت عن الحصول على مطلبك من السلطة عبر النظام والقانون، فهناك طريق آخر (القطاع ) يذهب المواطن إلى المسؤول مطالباً بوظيفة لقريب، أو بإطلاق سجين، أو بمنحة، أو بحافز، أو بامتياز، أو بمطلب آخر ،وحين تقول له السلطة إن الطلب مخالف للقانون أو خارج صلاحياتها، لا ينتهي الأمر عند هذا الحد ،تبدأ مرحلة التصعيد ،تجتمع القبيلة، ويُصدر البيان، وتُغلق الطريق، وتُمنع مقطورات الغاز والبترول من التحميل من شركة صافر إلى المحافظات، ويصبح كل من يحاول كسر القطاع معرضاً للخطر ،وهكذا تتحول قضية شخص أو مجموعة أشخاص إلى أزمة يعيشها ملايين المواطنين.

مقطورة غاز واحدة لا تصل إلى وجهتها، تعني بيتاً ينتظر، وأمًا تبحث عن أسطوانة، وأبًا يقف ساعات على الرصيف، وطفلاً ينتظر طعامه، وأسرةً تضطر إلى شراء الغاز من السوق السوداء بأضعاف سعره لإطعام أطفالها .

ثم تبدأ الوساطات ،يأتي الوجهاء، ويتدخل المشايخ، وتتحرك السلطة، وتنتهي الأزمة مؤقتاً ، لكن ما إن ينتهي القطاع الأول حتى يبدأ قطاع آخر ،قبيلة تنتظر دورها، ثم أخرى، ثم ثالثة ،وكأن الأمر أصبح جدولاً غير مكتوب لكل قبيلة قطاعها، ولكل قطاع مطالبه، ولكل مطالبة طريق واحد هو خنق الناس حتى تستجيب السلطة ،وهنا لا يعود السؤال من صاحب الحق ، بل يصبح السؤال الأكثر وجعًا ،أين الدولة؟

أين الدولة التي يفترض أن يكون القانون فيها هو الحكم بين الناس ،أين الدولة التي يستطيع المواطن أن يطالب بحقه أمام القضاء والإدارة، لا أن يبحث عن بندقية وقطاع وقبيلة؟ وأي معنى يبقى للقانون حين يصبح إغلاق الطريق أقوى من قرار الدولة؟ وأي هيبة للدولة حين يستطيع شخص أو مجموعة أشخاص أن يمنعوا الوقود والغاز عن محافظات بأكملها؟

هذه ليست قوة قبيلة ،هذه، في حقيقتها، علامة ضعف دولة ،فالقبيلة اليمنية الأصيلة لم تكن يوماً عدواً للدولة، ولم تكن قيمها الحقيقية تقوم على تجويع الناس وقطع أرزاقهم وتعريض المسافرين للخطر القبيلة كانت سنداً للمجتمع، وحاميةً للجار، وملجأً للمظلوم.

أما أن تتحول القبيلة إلى أداة ضغط للحصول على ما لا يمكن الحصول عليه بالقانون، فهذه ليست نصرة للقبيلة، وإنما إساءة إلى تاريخها ومكانتها ،والأشد ألمًا أن المواطن البسيط هو من يدفع الثمن ،هو الذي يقف في الطوابير ،هو الذي يشتري الغاز بأضعاف سعره ،هو الذي يبحث عن أسطوانة في آخر الليل ،والذي تتوقف سيارته بسبب أزمة الوقودالذي يدفع فاتورة السوق السوداء ،هو الذي يلعن الفقر، بينما لا يعرف أصل الأزمة ،ثم يقال له ،اصبر، هناك قطاع في مأرب على مقطورات الغاز يا لها من مفارقة موجعة!

بلدٌ يمتلك النفط والغاز، ومواطن يقف يبحث عن أسطوانة غاز ،محافظة تنتج الطاقة، ومحافظات تختنق بسبب انقطاعها ،ثروة تخرج من الأرض، ومواطن لا يستطيع أن يطبخ لعائلته ،أليس في هذا ما يكفي ليبكي وطنًا بأكمله؟إن الدولة لا تُقاس بعدد المدرعات التي تمتلكها، ولا بعدد الجنود في معسكراتها، وإنما تُقاس بقدرتها على حماية المواطن، وفرض القانون، وضمان وصول الحقوق إلى أصحابها دون أن يحتاج أحد إلى قطع طريق أو حمل سلاح أو استدعاء قبيلة ،نحن لا نريد دولةً تضرب المواطن لمجرد أنه مواطن، ولا نريد بطشاً خارج القانون، ولا نريد تعذيباً أو انتقاماً أو تصفية حسابات، نريد شيئاً أبسط من ذلك بكثير:

نريد دولة ،نريد قانونًا فوق الجميع ،نريد أن يعرف الشيخ أن القانون فوقه، وأن المسؤول ليس فوق القانون، وأن العسكري ليس فوق القانون، وأن القبيلي ليس فوق القانون، وأن المواطن الضعيف ليس الحلقة التي يجوز سحقها ،نريد دولةً تقول للمواطن، تعال وخذ حقك بالقانون ،وتقول للمسؤول ،لا تمنع حق أحد ،وتقول لمن يقطع الطريق: لن يكون الطريق وسيلة لانتزاع الحقوق ،وتقول لمن يحمل السلاح سلاحك لا يمنحك حقًا ليس لك ،وتقول لمن يظلم الناس: ستحاسب، مهما كان اسمك، ومهما كانت قبيلتك، ومهما كان نفوذك ،هذه هي الدولة التي يشتاق إليها اليمني ،دولة لا تخاف من قبيلة، ولا تخاف من شيخ، ولا تخاف من مليشيا، ولا تخاف من متنفذ ،دولة تحمي القبيلة من أن تتحول إلى أداة للفوضى، وتحمي المواطن من أن يصبح رهينةً لصراع لا علاقة له به ،والحقيقة أن اليمني العادي لم يعد يطلب المستحيل ،لقد تعب ،تعب من المليشيات ،تعب من السلاح ،تعب من نقاط التفتيش ،تعب من القطاعات ،تعب من السوق السوداء ،تعب من الطوابير ،تعب من أن يكون كل طريق مغلقًا، وكل حق يحتاج إلى وسيط، وكل مشكلة تحتاج إلى شيخ، وكل مظلمة تحتاج إلى بندقية.

يشتاق المواطن إلى صباح يستيقظ فيه فلا يخاف من الطريق، ولا يخشى القطاع، ولا يبحث عن الغاز، ولا يقف أمام السوق السوداء، ولا يشعر أن القانون عاجز أمام من يملك السلاح والقبيلة ،يشتاق إلى وطن تكون فيه الدولة هي الملجأ الأخير، لا القبيلة ،وأن يكون القانون هو السلاح الوحيد الذي ينتصر به المظلوم ،نحن بحاجة إلى ثورة وعي قبل أن نحتاج إلى أي ثورة أخرى ،ثورة تعيد تعريف القوة في عقولنا ،القوة ليست أن تقطع طريق الناس ،القوة ليست أن تمنع الغاز عن ملايين الأسر ،القوة ليست أن تخيف المسافر ،القوة ليست أن تفرض مطلبك بالسلاح ،القوة الحقيقية أن تستطيع أن تحصل على حقك بالقانون، وأن تقبل حكم القانون حتى عندما لا يأتي الحكم لمصلحتك ،ومأرب التي احتضنت الدولة، وقدمت الكثير في سبيل الجمهورية، تستحق أن تكون نموذجًا لهيبة القانون لا ساحةً لتبادل القطاعات ،فمأرب أكبر من أن تختصر في قطاع ،وأكبر من أن تُختزل في خلاف قبلي ،وأكبر من أن يدفع المواطن اليمني ثمن نزاعات لا ناقة له فيها ولا جمل ،إن استعادة هيبة الدولة لا تعني قمع القبيلة، بل تعني إعادة القبيلة إلى مكانها الطبيعي داخل الدولة ،ولا تعني إهانة المشايخ، بل تعني أن يكون الشيخ شريكًا في حماية النظام والقانون، لا بديلًا عنهما ،ولا تعني ظلم صاحب المطالبة، بل تعني أن يأخذ حقه عبر الطريق الذي يحفظ حقوق الجميع .

وفي النهاية، سيظل السؤال معلقًا في وجوهنا جميعًا ،إلى متى؟إلى متى يبقى المواطن رهينةً لقطاع؟ إلى متى يبقى الغاز ورقة ضغط؟ إلى متى تبقى الطرق العامة رهينةً للخلافات؟ إلى متى يصبح السلاح أسرع من القانون؟ إلى متى تبقى الدولة تتدخل بعد وقوع الكارثة بدل أن تمنع أسبابها؟

لقد آن الأوان أن يفهم الجميع أن الوطن ليس ملكًا لقبيلة، ولا لحزب، ولا لجماعة، ولا لمليشيا، ولا لمسؤول الوطن ملك المواطن ،وحق المواطن في الطريق، والغذاء، والغاز، والأمن، والكرامة، وسيادة القانون، ليس منّةً من أحد إننا لا نريد دولةً تنتقم من شعبها، بل دولةً تحميه لا نريد يداً من حديد على المواطن، بل قانوناً من حديد على الفوضى والابتزاز والخروج على النظام ،ولا نريد أن يُقطع عنق أحد أو تُقطع يد أحد خارج القضاء والقانون؛ نريد قضاءً عادلًا يقول كلمته، وقانونًا يُطبق على الجميع، وعقوبةً رادعةً لا تفرق بين قوي وضعيف ،فحين يصبح القانون عادلًا وقويًا، لن يحتاج المظلوم إلى قبيلة ،وحين تصبح الدولة قوية وعادلة، لن يحتاج المواطن إلى قطاع ،وحين يصبح الوطن فوق الجميع، لن يجد أحدٌ طريقًا لابتزاز الوطن بالمواطن.

هذه هي الدولة التي نحلم بها ،وهذا هو اليمن الذي يستحق أن يولد من بين هذا الركام ،يمنٌ لا تُغلق فيه الطرق بالبيانات، ولا تُدار فيه الحقوق بالبنادق، ولا تُباع فيه كرامة المواطن في السوق السوداء، ولا يكون فيه المواطن الحلقة الأضعف ،يمنٌ يكون فيه القانون فوق الجميع.

اسأل الخبر مساعد ذكي يجيب اعتمادًا على سياق الخبر ومحتوى الموقع فقط

اسأل أي سؤال يتعلق بهذا الخبر

جارِ تحميل الأسئلة المقترحة...
زر الذهاب إلى الأعلى