بعد 35 عاماً.. خريجو دار المعلمين بلحج يعودون إلى مقاعد الذكريات في لقاء أخوي تاريخي بمنتزه الحسيني
تقرير : صادق الجحافي
هناك ذكريات لا تموت… قد يغطيها غبار السنين، وقد تنشغل بها الأيام، وقد تتغير الوجوه والملامح، لكن يكفي أن يلتقي أصحابها من جديد حتى تفتح الذاكرة أبوابها دفعة واحدة، وكأن أكثر من ثلاثة عقود لم تمر.
هكذا كان المشهد اليوم السبت 15أغسطس 2026م لقاءٌ استثنائي، حمل في تفاصيله الكثير من الفرح، والكثير من الحزن، والكثير من الشوق، بين خريجي السنوات الاخيرة لمعهد دار المعلمين في الحوطة بمحافظة لحج، الذين جمعتهم مقاعد الدراسة في أواخر ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تفرقهم الحياة وتوزعهم الأيام على المديريات والمناطق.
جاءوا من الضالع، كرش، المسيمير، طور الباحة، الصبيحة، يافع، ردفان، الأزارق، الشعيب، جحاف، تبن وغيرها من مناطق لحج والضالع شباباً في مقتبل العمر، يحملون أحلاماً صغيرة لكنها كانت تكبر في صدورهم كل يوم.
لم يكونوا يعرفون أن تلك السنوات الأربع التي قضوها معاً ستصبح بعد مرور الزمن واحدة من أجمل صفحات حياتهم.
أربع سنوات تحت سقف واحد في معهد دار المعلمين بالحوطة، لم تكن العلاقة بينهم مجرد علاقة زملاء دراسة. .كانوا يعيشون معاً..ينامون تحت سقف واحد، ويتقاسمون غرف القسم الداخلي، ويجلسون جنباً إلى جنب على المقاعد الدراسية، ويتناولون الطعام من مطبخ واحد، ويشربون الماء من المكان ذاته، ويعيشون تفاصيل يومية جعلت منهم مع مرور الوقت أسرة واحدة.
كان بينهم من جاء من الجبال، ومن جاء من السهول، ومن جاء من القرى البعيدة، لكن المعهد جمعهم جميعاً تحت سقف واحد، وصنع بينهم أخوة لم تكن بحاجة إلى أوراق أو أختام.
وكان على رأس ذلك الصرح التربوي في تلك الفترة المربي الفاضل محمد محمود الشريف، عميد المعهد آنذاك، الذي رحل عن الدنيا قبل سنوات، لكنه ترك بصمته في ذاكرة كل من عرفه وتعلم على يديه.
رحل الرجل، لكن اسمه بقي حاضراً في ذاكرة طلابه، وكلما عادوا بذاكرتهم إلى تلك الأيام، عاد معهم وجه العميد والمعلمين، وعادت أصواتهم في الممرات، وضجيج الطلاب في القسم الداخلي، ورائحة الطعام من المطبخ، وصرخات الفرح والضحك التي كانت تملأ المكان.
ثم جاءت لحظة الفراق…
انتهت السنوات الأربع حمل كل واحد منهم شهادته، وحمل معها حلماً جديداً.
خرجوا من المعهد معلمين، وعاد كل واحد إلى منطقته ومديريته، ليبدأ رحلة أخرى في ميدان التربية والتعليم.
ذهب أحدهم إلى المسيمير وآخر الضالع وآخر إلى الشعيب، وآخر إلى جحاف، وآخر إلى الأزارق، وآخر إلى يافع، وآخر إلى ردفان، وآخر إلى الصبيحة وآخر الى طور الباحة وآخر الى تبن وآخر الى وكرش …
توزعوا كما تتوزع حبات المطر على الأرض.
ومع مرور الأيام، بدأت المسافات تكبر.
ثم جاءت السنوات.
سنة وراء سنة…
وخمس سنوات أصبحت عشر سنوات.
والعشر أصبحت عشرين.
والعشرون أصبحت أكثر من ثلاثين عاماً.
وخلال هذه السنوات تغير كل شيء تقريباً.
تغيرت الأماكن، وتغيرت الوظائف، وتغيرت الحياة، وكبر الأبناء، ورحل بعض الأحبة، وتبدلت الوجوه، وبدأ الشيب يتسلل إلى الرؤوس واللحى.حتى أولئك الذين كانوا يعرفون بعضهم جيداً أصبحوا، حين يلتقون مصادفة في سوق أو دورة تدريبية أو أثناء إنجاز معاملة، يقفون للحظات أمام بعضهم البعض وكأن بينهم سؤالاً محرجاً:
هل أعرفك؟
قد يتأمل أحدهم وجه الآخر طويلاً، ثم يقول:
أنت… فلان؟
فتأتي الإجابة ممزوجة بالضحكة والدهشة:
نعم، أنا فلان!
فتنفجر الذاكرة فجأة.
وتعود السنوات كلها في لحظة واحدة.
اليوم عادوا اليوم الى إلى منتزة الحسيني
بعد غياب تجاوز خمسة وثلاثين عاماً، جاء الموعد الذي انتظره الزمن طويلاً.
تم التنسيق مسبقاً للقاء، واختيرت منطقة الحسيني مكاناً لاجتماع رفاق الأمس، المنطقة التي تحمل لهم ذكريات الدراسة وأيام الشباب.
لم يكن اللقاء مجرد جلسة عابرة كان أشبه بفتح صندوق قديم مليء بالصور والرسائل والضحكات والأحزان.
جاءوا وقد تغيرت ملامحهم.
جاءوا وقد غطى الشيب رؤوسهم ولحاهم.
جاءوا وقد أخذت الحياة من أعمارهم أكثر من ثلاثة عقود.
لكن شيئاً واحداً لم تستطع السنوات تغييره…
قلوبهم.
فما إن بدأت الوجوه تتعرف على بعضها، حتى سقطت الحواجز.
لم تعد السنوات الخمس والثلاثون موجودة.
عادوا طلاباً من جديد.
عاد ذلك الشاب الذي كان يجلس على مقعد الدراسة.
وعاد ذلك الطالب الذي كان يضحك في القسم الداخلي.
وعاد صاحب الغرفة، وصاحب المقعد، ورفيق المائدة، ورفيق الطريق.
ثم جاءت اللحظة الأصعب…
العناق الذي اختصر 35 عاماً
تعانقوا طويلاً.
لم تكن أحضاناً عادية
كانت أحضاناً تحمل أكثر من ثلاثة عقود من الغياب.
في تلك اللحظة لم يكن أحد يعرف من الذي كان يبكي أولاً.
دموع فرح؟
أم دموع شوق؟
أم دموع على عمر مضى ولن يعود؟
ربما كانت كل ذلك معاً.
كان كل واحد منهم يحتضن رفيق الأمس وكأنه يريد أن يستعيد في ذلك العناق سنوات كاملة ضاعت بين العمل والأسرة والمسؤوليات وتعب الحياة.
كانت هناك وجوه تضحك وعيونها تبكي
وكان هناك من يحاول أن يخفي دموعه بابتسامة.
لكن الدموع كانت أقوى من محاولات إخفائها.
فبعض الذكريات لا تستطيع الكلمات التعبير عنها.
زيارة المكان الذي بدأ منه كل شيء
ولأن الذكريات لا تكتمل بالكلام وحده، ذهب بعضهم من وصل صباحا إلى معهدهم ولم يذهب البعض لتأخر وصولهم من مناطق بعيده .
عاد بعضهم إلى المكان الذي احتضن شبابهم.
إلى المكان الذي صنع منهم معلمين.
إلى المكان الذي شهد أول أحلامهم.
لكن المشهد كان موجعاً…
المكان الذي كان يوماً يعج بالحياة أصبح اليوم ركاماً من الماضي.
وقفوا أمام المكان طويلاً.
كل واحد منهم كان يرى شيئاً مختلفاً عن الآخر.
أحدهم ربما رأى مقعده القديم.
آخر رأى زميله الذي كان يجلس بجانبه.
ثالث تذكر أول درس.
ورابع تذكر ليلة من ليالي القسم الداخلي.
وخامس ربما تذكر صوت العميد والمعلمين.
المكان تغير…
لكن الذاكرة لم تتغير.
المطبخ… حيث كانت تجمعهم لقمة واحدة
توقفوا أيضاً عند المطبخ.
المكان الذي كانوا يأكلون فيه ويشربون معاً.
ذلك المكان البسيط الذي كان بالنسبة لهم أكثر من مجرد مطبخ.
كان مكاناً للضحك، والحكايات، والمواقف، والمشاكسات، وربما بعض الخلافات الصغيرة التي سرعان ما كانت تنتهي بالضحك والمصالحة.
كم من وجبة أكلوها معاً؟
وكم من حكاية بدأت هناك؟
وكم من حلم تحدثوا عنه وهم يجلسون حول مائدة واحدة؟
اليوم عادوا إلى المكان، لكن المائدة لم تعد موجودة، والأصوات اختفت، والسنون أخذت أصحابها بعيداً.
ومع ذلك، بقيت الذكرى.
ثم دخلوا القسم الداخلي…
المكان الذي ناموا فيه أربع سنوات.
هنا ربما كانت أصعب اللحظات.
الجدران التي كانت شاهدة على أحلام الشباب أصبحت صامتة.
الغرف التي كانت تعج بأصوات الطلاب أصبحت تحمل صمتاً ثقيلاً.
تأملوا المكان طويلاً
وكأن كل واحد منهم كان يبحث عن نفسه القديمة بين الركام.
ربما تذكر أحدهم سريره
وربما تذكر آخر رفيق غرفته.
وربما تذكروا ليالي الامتحانات، ومواقف الضحك، وأحاديث ما قبل النوم، وأحلامهم التي كانت تبدو يومها بعيدة، قبل أن يصبحوا جميعاً معلمين ويشق كل واحد منهم طريقه في الحياة.
من طلاب إلى معلمين… ومن شباب إلى آباء وأجداد
قبل أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، دخلوا المعهد طلاباً.
واليوم عادوا إليه وقد أصبحوا رجالاً أنهكتهم الحياة الجميلة والصعبة معاً.
بعضهم أصبح أباً، وبعضهم جداً، وبعضهم حمل مسؤوليات كبيرة، وبعضهم فقد أحبة كانوا يتمنون أن يكونوا معهم في هذا اللقاء.
كبروا…
لكنهم حين اجتمعوا، عادوا أولئك الطلاب الذين عرفوا بعضهم في ذلك الزمن الجميل.
وهنا تكمن روعة الصداقة الحقيقية.
فالصداقة التي تصنعها الأيام الصعبة لا تموت بسهولة.
قد يغيب أصحابها سنوات طويلة، لكن حين يلتقون، تعود المشاعر وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة فقط.
كلمة تؤكد رسالة المعهد
وفي هذا اللقاءالتاريخي، ألقى الأستاذ فضل الجابري، مدير المعهد العالي لإعداد المعلمين بلحج، كلمة استحضر فيها المكانة العلمية والتربوية التي احتلها معهد دار المعلمين بلحج، مؤكداً أن هذا الصرح كان وما يزال مصنعاً للكوادر التربوية التي رفدت مختلف المديريات والقرى بالمعلمين.
وأشار في كلمته إلى أن المعهد كان بمثابة مصنع تربوي يخرج المادة الخام التي اكتسبت المعارف والعلوم والمهارات، ثم تنطلق إلى مختلف المديريات والقرى لتؤدي رسالتها في بناء الإنسان وتعليم الأجيال.
وكانت كلمات الجابري تحمل أكثر من معنى؛ فهي لم تكن حديثاً عن مبنى أو مؤسسة تعليمية فحسب، وإنما عن تاريخ طويل من صناعة الإنسان، وعن أجيال من المعلمين الذين حملوا رسالة العلم من رحاب المعهد إلى القرى والمدارس، وتركوا بصماتهم في حياة آلاف الطلاب.
وفاء لمحمد الشريف…
الرجل الذي عاش
للمعهد
وكان لافتاً في اللقاء حضور الأستاذ عبدالله الشريف، شقيق المرحوم المربي محمد محمود الشريف، عميد المعهد في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
وقد القى قصيدة شعرية وكلمة عبّر الأستاذ عبدالله الشريف عن شكره وتقديره للقائمين على ترتيب هذا اللقاء التاريخي، معتبراً أن هذا الاجتماع يحمل معنى كبيراً من معاني الوفاء للمرحوم محمد الشريف، الذي ارتبط اسمه بمرحلة مهمة من تاريخ المعهد وبذاكرة طلابه وخريجيه.
لم يكن اسم محمد الشريف مجرد اسم عابر في حديث الحاضرين.
كان حاضراً في التفاصيل حاضراً في الذاكرة حاضراً في وجوه الطلاب الذين عاشوا سنوات الدراسة تحت إدارته وحاضراً في المكان الذي شهد يوماً نشاطه وجهوده وعطاءه.
رحل محمد الشريف عن الدنيا، لكن طلابه الذين أصبحوا اليوم رجالاً ومعلمين ومربين، ظلوا يحملون شيئاً من أثره في ذاكرتهم.
ولذلك جاء هذا اللقاء وكأنه رسالة وفاء تقول:
إن المربي الحقيقي لا يغادر حياة طلابه برحيله، بل يبقى حاضراً في كل طالب ساهم في بناء مستقبله.
حضور تربوي ورسمي يضيف للقاء قيمته
وزاد اللقاء أهميةً حضور عدد من القيادات والشخصيات التربوية والاجتماعية، يتقدمهم:
مدير عام مكتب التربية والتعليم بمحافظة لحج الأستاذ فهمي بجاش، ومدير عام الأوقاف بمحافظة لحج الأستاذ محسن علوان، ومدير التربية والتعليم بمديرية المسيمير الأستاذ وجدي طلحة.
وكان حضورهم تعبيراً عن أهمية المناسبة، وعن تقدير الدور الذي لعبه هذا الصرح التربوي في إعداد أجيال من المعلمين الذين انتشروا في مختلف المديريات والقرى.
فاللقاء لم يكن مجرد استعادة لذكريات شخصية، وإنما استعادة لجزء من تاريخ التعليم والتربية في المنطقة.
قصيدة تعيد الشعر إلى مقاعد الدراسة
ولأن الذكريات الجميلة لا تكتمل دائماً بالكلمات النثرية، كان للشعر حضوره في هذه المناسبة.
فقد ألقى الأستاذ خالد عبد صالح قصيدة شعرية مجّد فيها العلم والتعليم، واستحضر من خلالها روح اللقاء الودي وذكريات الدراسة التي تعود إلى أكثر من ثلاثة عقود.
كانت القصيدة أشبه برحلة شعرية إلى الماضي؛ إلى زمن كان فيه هؤلاء الطلاب شباباً، يجلسون على مقاعد الدراسة، يتقاسمون الأحلام والضحكات والهموم، قبل أن تفرقهم الحياة وتوزعهم على المدارس والقرى والمديريات.
وفي الشعر، وجد الحاضرون مساحة أخرى لاستعادة ما لا تستطيع الذاكرة وحدها استعادته.
فالكلمة حين تأتي من القلب تصل إلى القلب، والشعر حين يتكئ على تجربة حقيقية يصبح أكثر صدقاً وتأثيراً.
الدكتور المحرابي…
خريج الأمس يدير لقاء اليوم
وأدار اللقاء الدكتور علي أحمد المحرابي، وهو أحد خريجي إحدى دفعات التسعينيات من المعهد.
وفي مفارقة جميلة، كان أحد الطلاب الذين جلسوا ذات يوم على مقاعد هذا الصرح، ثم عاد بعد سنوات طويلة ليقف أمام رفاق الأمس ويدير لقاءهم التاريخي.
وهنا تكتمل دائرة الزمن:
طالب الأمس أصبح اليوم دكتوراً، ورفاق الأمس أصبحوا معلمين ومربين، والمعهد الذي جمعهم شباباً أصبح شاهداً على رحلة أعمارهم.
وهنا لا بد من التوقف عند الجنود المجهولين خلف هذا اللقاء الجميل، الذي كان لهم الدور الأبرز في التنسيق والترتيب وجمع شمل رفاق الأمس برئاسة الأخوة علي ناجي البازوكا والاخ عبود قسامي ورفاقهم الذي لا يسعني ذكرهم .
فقد بذلوا جهداً كبيراً في التواصل مع الخريجين، وترتيب تفاصيل اللقاء، والتنسيق بين الرفاق، حتى خرجت هذه المناسبة التاريخية بهذه الصورة التي أسعدت القلوب وأعادت ذكريات أكثر من خمسة وثلاثين عاماً.
فلهم كل الشكر والتقدير على هذا الوفاء الجميل، وعلى هذه المبادرة التي لم تجمع أشخاصاً فقط، بل جمعت ذاكرة جيل كامل.
صورٌ تحفظ ما عجزت الذاكرة عن حفظه
وفي بداية اللقاء وفي ختامه التقط الرفاق الصور التذكارية الجماعية والفردية، في مشهد سيبقى شاهداً على ذلك اليوم التاريخي.
وقفوا جنباً إلى جنب، كتفاً إلى كتف، وقد غطّى الشيب رؤوسهم، لكن ابتساماتهم أعادت إلى الوجوه ملامح الشباب.
كانت عدسة الكاميرا توثق لحظة لا تتكرر بسهولة؛ لحظة اجتمع فيها رفاق الدراسة بعد أكثر من 35 عاماً من الفراق، فتوحدت الوجوه والذكريات والمشاعر في صورة واحدة.
كل صورة كانت تحمل قصة…
صورة تختصر سنوات الدراسة، وأخرى تستعيد أيام القسم الداخلي، وثالثة تجمع من بقي من رفاق الأمس، وكأنهم يقولون للزمن:
لقد كبرنا، وتغيرت ملامحنا، وفرقتنا الأيام، لكننا ما زلنا هنا… وما زالت الأخوة التي جمعتنا أقوى من المسافات والسنين.
ولعل هذه الصور ستصبح غداً أكثر من مجرد صور تذكارية؛ ستصبح وثائق تحفظ لأبنائهم وأحفادهم قصة جيل من المعلمين، عاشوا معاً أربع سنوات تحت سقف واحد، ثم فرقتهم الحياة أكثر من ثلاثة عقود، قبل أن تجمعهم من جديد في لقاء مليء بالحب والوفاء.
فالصورة تجمّد لحظة… لكن صورة هذا اللقاء ستبقى تحفظ حكاية عمر كامل.
الوداع
وكما بدأت الحكاية بعناق، انتهت بعناق آخر.
فبعد ساعات من استعادة الذكريات، جاء وقت العودة.
سيعود كل واحد منهم إلى مديرية ومنطقة.
ستعود المسافات من جديد.
لكن هذه المرة لن يعودوا غرباء.
لقد أعادوا اكتشاف بعضهم استعادوا أسماءهم ووجوههم وذكرياتهم.
تعانقوا مرة أخرى
وتبادلت القلوب كلمات الشوق والمحبة.
كان كل واحد منهم يتمنى لو أن الوقت توقف قليلاً.
لو أن اللقاء امتد يوماً آخر.
أو أسبوعاً.
أو حتى بقيت تلك اللحظة إلى الأبد.
لكن الحياة لا تمنحنا دائماً ما نريد.
وغادروا…
كل واحد حمل معه حقيبة الذكريات.
وعادوا إلى مناطقهم ومديرياتهم، لكن قلوبهم بقيت هناك، في استراحة الحسيني وفي معهد دار المعلمين، وفي تلك السنوات التي لا تزال تسكن الذاكرة.
رسالة من جيل إلى جيل
هذا اللقاء ليس مجرد اجتماع لزملاء دراسة.
إنه حكاية جيل كامل.
جيل تعلم في ظروف مختلفة، وعاش حياة بسيطة، وصنع من التعليم رسالة، ومن الزمالة أخوة، ومن الذكريات وطناً صغيراً يسكن القلب.
اعظم درس في الوفاء عندما رأيت زميلي الاستاذ نصر ابراهيم حاميم مستأجر دراجة نارية ذهاب واياب من قريته البعيدة في كرش الى منتزه الحسيني وابا الا ان يشارك هذا اللقاء التاريخي..
فالسنوات قد تغير الملامح، لكنها لا تستطيع تغيير الذكريات الصادقة.
وقد يفرقنا المكان، وقد تأخذنا المسؤوليات، وقد تمر ثلاثة عقود وأكثر دون لقاء، لكن الإنسان يبقى محتاجاً إلى أولئك الذين عرفوه قبل أن تغيره الحياة.
هؤلاء الرفاق لم يلتقوا اليوم ليستعيدوا الماضي فقط..بل التقوا ليقولوا لأنفسهم وللأجيال من بعدهم إن أجمل ما يتركه الإنسان خلفه ليس المال ولا المناصب، وإنما الوجوه التي أحبته، والقلوب التي حفظته، والذكريات الجميلة التي كلما عاد إليها شعر أن العمر، رغم كل ما أخذه منه، ما زال قد ترك له شيئاً جميلاً.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله هؤلاء الرفاق الآن هو أن يجعلوا من هذا اللقاء( بداية لا نهاية)أن يلتقوا مرة أخرى وأن يحافظوا على هذه الأخوةوأن يجمعوا ما تبقى من رفاقهم، وأن يفتحوا أبواب الذكريات لمن غاب عنهم فالعمر يمضي سريعاً والشيب الذي غطى رؤوسهم اليوم يذكرهم بأن الوقت ليس في صالح أحد فلا تؤجلوا اللقاء…ولا تؤجلوا السلام…ولا تؤجلوا العناق…ولا تؤجلوا كلمة “اشتقت لك”.
فربما يكون اللقاء القادم أجمل…
وربما يكون آخر لقاء.
هكذا عاد طلاب دار المعلمين بعد أكثر من 35 عاماً… عادوا كباراً في أعمارهم، صغاراً أمام ذكرياتهم، يحملون الشيب على رؤوسهم، والدموع في عيونهم، والحب في قلوبهم.
عادوا إلى الحوطة الذي جمعتهم ذات يوم…
فوجدوا أن المباني قد تهدمت، والجدران قد صمتت، والمقاعد قد غابت… لكنهم اكتشفوا أن شيئاً واحداً لم يهدمه الزمن أخوّة رفاق الدراسة وأن بعض الأماكن، مهما أصبحت ركاما، تبقى عامرة في القلب وبعض الرفاق، مهما طال الغياب، يبقون دائماً طلاباً في ذاكرة العمر.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عدن الغد , ولا يعبر عن وجهة نظر حضرموت نت وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عدن الغد ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة على المصدر السابق ذكرة.
اسأل أي سؤال يتعلق بهذا الخبر
