العيش في الفجوة.. الصراع الخفي في عقل كل ناجح
موجز الخبر الذكي AI ✦
- النجاح يتشكل أثناء الطريق وليس فقط عند الوصول.
- الإنسان يشعر بالقلق والإبداع عندما يرى الفجوة بين ما أنجزه وما يمكن أن يحقق.
- المنافسة الأعمق تكون بين الإنسان نفسه في مراحل مختلفة من حياته.
مقال يتناول الفجوة بين ما أنجز الإنسان وما يمكن أن يحقق، وكيف يشعر الإنسان بالقلق والإبداع عند رؤية هذه الفجوة، ويشير إلى أن النجاح يتشكل أثناء الطريق وليس عند الوصول.
أحمد السماري – كاتب وروائي سعودي
ثمة مسافة خفية في حياة الإنسان، لا يلتفت إليها الآخرون كثيرًا، مع أنها قد تكون أطول مراحل النجاح وأشدها قلقًا. إنها المسافة بين الفكرة وتحققها، بين أن تبدأ الطريق وأن تصل، بين ما أنت عليه الآن وما تريد أن تكونه غدًا.
يمكن أن نسمي هذه المسافة: “الفجوة بين نقطتين”، أو يمكن تسميتها “منزلة بين المنزلتين”، مع التقدير لواصل بن عطاء، مطلق تلك العبارة أو ذاك الأصل العقدي.
نحن في العادة نرى الناجحين عند نهايات الرحلات. نرى الكاتب ممسكًا بكتابه الفائز بجائزة، والرياضي واقفًا على منصة التتويج، وصاحب المشروع بعد أن أصبح اسمه معروفًا، ولا نرى السنوات التي سبقت الصورة؛ تلك الأيام المزدحمة بالجهد والشك والتجربة والتراجع والمحاولات التي لم يصفق لها أحد.
نرى الثمرة، ولا نرى الجذور وهي تشق طريقها بصمت في عتمة التراب.
وربما كانت هذه إحدى خدع النجاح؛ أنه يبدو من الخارج لحظة، بينما هو في الداخل زمن طويل.
فالنجاح يتشكل أثناء الطريق: في صباح نهضنا فيه رغم الفتور، وفي محاولة أعدناها بعد إخفاق، وفي صفحة مسحناها ثم كتبنا غيرها، وفي قرار الاستمرار حين كان التوقف أكثر إغراءً. الوصول هو الجزء المرئي من رحلة طويلة حدث معظمها بعيدًا عن الأنظار.
داخل هذه الفجوة يعيش الإنسان توترًا دائمًا بين الرضا والطموح. يفرح بما حقق، ثم يكتشف أن في الأفق هدفًا آخر. ومن هنا يولد ذلك السؤال الصغير الذي غيّر حياة كثير من البشر:
وماذا بعد؟
قد يبدو السؤال مبهمًا، لكنه أحد أسرار النمو. فالإنسان الذي يجعل نجاحه الأول نهايةً للطريق قد يتحول الإنجاز لديه، مع الوقت، إلى مكان للإقامة، بينما يراه آخر نافذةً على احتمالات جديدة.
ولعل هذا ما يمكن وصفه بـ”عدم الرضا الإيجابي”؛ أن نقدر ما أنجزناه من دون أن نتوقف عنده، وأن نفرح بالوصول من دون أن نفقد فضول الرحلة. هو وعي بأن الإنسان مشروع مفتوح على التطور، من غير جحود للنجاح أو تبخيس لما تحقق.
ومن هنا يأتي القلق الإبداعي؛ ذلك الشعور بالفارق بين الواقع والإمكان، وبين ما أنجزناه وما نعتقد أننا قادرون على إنجازه.
الكاتب يعرف هذا الشعور جيدًا. ينتهي من كتاب ظل سنوات يطارده، وحين يضع نقطته الأخيرة يشعر براحة قصيرة، ثم تبدأ فكرة أخرى في طرق الباب. والرياضي يحطم رقمه السابق، فيصبح الرقم الجديد هو خصمه القادم. والباحث يصل إلى إجابة، فتفتح أمامه أسئلة لم تكن موجودة من قبل.
كأن المعرفة كلما اتسعت، اتسعت معها مساحة المجهول.
ولهذا فإن المنافسة الأكثر عمقًا لا تكون دائمًا مع الآخرين، وإنما مع نسختنا السابقة: أن نكتب أفضل مما كتبنا، ونعرف أكثر مما عرفنا، ونذهب أبعد مما استطعنا بالأمس.
هنا تكتسب “الفجوة” معناها الحقيقي؛ فهي ليست فراغًا بين نجاحين، وإنما المساحة التي يُصنع فيها الإنسان نفسه.
نحن نتغير أثناء المحاولة. الطريق يعلمنا الصبر، والخسارة تعيد ترتيب غرورنا، والتجربة توسع وعينا، والانتظار يمنح الأشياء قيمتها. وقد تترك رحلة لم تبلغ نهايتها المتوقعة أثرًا أعمق في صاحبها من نجاح تحقق بسهولة.
المشكلة، إذن، ليست في وجود الفجوة، وإنما في سوء فهمها. حين نبذل جهدًا ولا نرى ثماره سريعًا، نعتقد أن شيئًا لا يحدث. غير أن التحولات الأعمق كثيرًا ما تجري بعيدًا عن أعيننا؛ مثل البذرة التي تعمل في صمت تحت التراب قبل أن يظهر منها شيء فوق الأرض.
وكذلك الإنسان.
ثمة مراحل لا تبدو فيها النتائج متناسبة مع الجهد. نقرأ ولا نشعر بأن معرفتنا اتسعت، ونكتب ولا نعثر على النص الذي نريده، ونعمل ولا تفتح الأبواب التي انتظرناها. هنا يصبح التوقف مغريًا؛ لأننا نقيس ما يحدث داخلنا بما ظهر خارجيًا فقط.
وقد زاد عصر السرعة هذا الشعور قسوة. أصبحنا نريد نتائج فورية لكل ما نفعله، حتى بدا الانتظار نوعًا من الفشل، والتدرج بطئًا، والعمل الصامت قليل القيمة، مع أن الأشياء التي تستحق غالبًا ما تحتاج إلى وقت أطول مما نريد.
هناك زمن للزرع، وزمن للنمو، وزمن للحصاد.
ومن الظلم أن نحاكم مرحلة الزرع بمعايير الحصاد.
لذلك، حين يجد الإنسان نفسه في منتصف الطريق، وقد بذل الكثير ولم يصل بعد إلى المكان الذي يريده، ربما لا يكون السؤال الأهم:
لماذا لم أصل؟
وإنما:
ماذا صنعت مني هذه المسافة؟
فالنجاح لا يُقاس فقط بما نحصل عليه في نهاية الطريق، وإنما بما نصبح عليه بعد هذا المسير.
وربما لهذا لا يقيم أصحاب الطموح طويلًا فوق القمم. يصل أحدهم إلى ما كان يحلم به، يتأمل ما أنجزه، يمنحه حقه من الفرح، ثم يكتشف أن التجربة نفسها قد وسّعت أفقه، وأن هناك ما يستحق محاولة أخرى.
وعندما تقرأ مذكرات الفائزين بالجوائز العالمية المرموقة، تجد تلك الصورة مكرسة بوضوح مدهش. وتلك، في جوهرها، هي الفجوة؛ ليست مكانًا للضياع، ولا انتظارًا فارغًا بين حلم ونتيجة؛ إنها المساحة التي نختبر فيها قدرتنا على الصبر والاستمرار والتجدد.
فنحن لا نصنع النجاح حين نصل إلى قمته؛ الجزء الأكبر منه يُصنع في تلك المسافة الصامتة بين ما نحن عليه، وما نحاول أن نصبحه.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الوئام , ولا يعبر عن وجهة نظر حضرموت نت وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الوئام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة على المصدر السابق ذكرة.
اسأل أي سؤال يتعلق بهذا الخبر








