الصراع بين العرب والفرس على تسمية الخليج والنفوذ عليه

الصراع حول تسمية الخليج العربي وثنيه إلى الخليج الفارسي ليس مجرد خلاف لغوي، بل هو قضية تحمل أبعادًا تاريخية وسياسية وثقافية عميقة، تعكس التوترات بين العالم العربي والتعصب الفارسي الذي اعتقد الناس أنه بعد إسلامهم قد ذابت العصبية والشعور بالتفوق العرقي والتاريخي على الجوار، والأطماع في أرض العرب.

وما الحقد الفارسي المتقد على صحابة رسول الله عمومًا، وعلى الخليفة عمر بن الخطاب على وجه الخصوص، وهدم تاريخه وشخصه باعتباره رمزًا من رموز العرب والمسلمين، إلا أحد الدلالات على الحقد المتأصل في نفوسهم، وما اعتناقهم للإسلام الشيعي السياسي إلا أحد اختراقاتهم المتعمدة للشعوب العربية وإعادة ما يدّعونه من نفوذ تاريخي عليهم.

وفي الحقيقة، وللتاريخ، كان الخليج العربي محاطًا بالقبائل والإمارات العربية من شط العرب وحتى مضيق هرمز حتى العام 1924م، بعد اكتشاف بريطانيا للنفط وتسليمها كل تلك الجغرافيا للشاه الإيراني، برغم اتفاقيات الحماية بينها وبين عرب تلك الإمارة والقبائل العربية الممتدة، إلا أنه كطبع المستعمر لا يخرج من بلد احتله إلا وقد زرع بؤر الصراعات وأتخم ملفاتها بأسباب الحروب المستدامة، وهو ما نعيشه حتى الساعة.

لفت انتباهي ما جاء في مقابلة بثّتها قناة المستقلة، وجمعت بين الدكتور الأردني عادل الأشرم والإيراني محمد مهدي شريعة مدار، تحت عنوان “مستقبل العلاقات بين إيران والخليج”. ويمكن للقراء متابعة هذه المقابلة لما تحمله من أهمية، خاصة في ظل ما شهدته من نقاش حاد وتعصب في طرح القضايا المعاصرة، إضافة إلى تناولها للحرب الأخيرة وتداعياتها.

وما زاد الأمر غرابة وأشعل دمائي ثوران دم الإيراني شريعة مدار عندما ذكر الدكتور الأشرم دول الخليج العربي، حتى قاطعه وكاد أن ينسحب من الحلقة حنقًا على إثر نسبة الخليج إلى العرب، وهو يقول صراحة “دول الخليج الفارسي” عند الحديث عن دول الخليج.

وعليه، لم تهدأ إيران وتتخلَّ عن دعوى تبعية البحرين لها في ستينيات القرن الماضي إلا بعد تمكنها، وبصفقة بريطانية، من احتلال عدة جزر استراتيجية في الخليج العربي في العام 1971، أبرزها الجزر الإماراتية الثلاث: أبو موسى، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى، بالإضافة إلى جزر قشم ولارك وفارسي، حيث استخدمتها مؤخرًا كقواعد عسكرية متقدمة، ومخازن للصواريخ، ومنصات للزوارق السريعة والطائرات المسيّرة للتحكم في مياه الخليج وحتى مضيق هرمز.

تجدد الخلاف على التسمية بشكل ملحوظ في ستينيات القرن الماضي على إثر تنامي التيار القومي العربي، حيث أصبح استخدام “الخليج العربي” رمزًا للهوية العربية في مواجهة النفوذ الإيراني المتصاعد، وبعد أن تأكد للعرب أن الخليج كان ولا يزال محاطًا بدول عربية من معظم جهاته، وأن هويته الجغرافية والسياسية الحديثة تبرر تسميته بـ”الخليج العربي”. 

وقد لعب الإعلام دورًا كبيرًا في تكريس كل تسمية داخل محيطها الثقافي؛ ففي الدول العربية يُعد استخدام “الخليج العربي” تعبيرًا عن الانتماء والهوية، بينما في إيران يُنظر إلى تسمية “الخليج الفارسي” كجزء من التراث الوطني غير القابل للتنازل.

لم يرق لإيران رؤية دول المنطقة تنعم بثرواتها، حتى إن أحد مسؤوليها يصرح علنًا: كيف لدول صحراء الخليج الفارسي أن تصبح رحاب الحداثة والتطور والبناء ومهوى أفئدة العالم الاقتصادي والاستثمار العالمي، ونحن على حالنا نعيش الحصار وصراع الأيديولوجيا والصراع الشعوبي المحتدم داخل إيران؟

ومنذ ذلك الحين، تحولت تسمية الخليج العربي إلى قضية سيادية ورمز للصراع الإقليمي، الذي تجلى بأبهى صوره عند بداية الحرب بين أصدقاء الأمس، أعداء اليوم، أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فوجهت إيران صواريخها وطائراتها المسيّرة على الحواضر العربية الواقعة على الخليج العربي دون مبرر، مستهدفة بناها التحتية والاقتصادية تحت ذريعة استهداف المصالح الأمريكية والقواعد التي أفرغتها أمريكا قبل بدء الحرب.

أطلّ الدلفين فجأة فاغرًا فاه باتجاه دول الخليج يريد ابتلاعها، برغم تماهي بعضها والحطب في حبالها، ولعبها دور الوسيط مع أمريكا أو إظهار الصداقة المسكونة بالذعر والخوف، ملقيًا درسه الأقسى لعلها تستفيد من الهجوم عليها، وإدراك حقيقة العداوة الفارسية وكمية سم الحقد المخزون في أحشاء أفعى غادرة اسمها إيران.

عودًا إلى حلقة النقاش التي كاد الخلاف بين ضيوفها أن ينهيها بعد الشتائم والسباب التي وجهها شريعة مدار للضيف الأردني، هذه هي حقيقة إيران، وهذا نموذجهم يا أمراء الخليج؛ وجهوا سهامكم صوبها والتفتوا إلى مخزون العرب التاريخي المحارب في اليمن، واغرفوا من بحر أشقائكم الغيورين عليكم وعلى العروبة، واستنسخوا ما أردتم من بطولات تسلسلت جيناتها في الشعب اليمني كما تتسلسل الجينات في بني البشر.

التفتوا إلى عمقكم التاريخي، الخزان البشري، واغترفوا من مخزونه الثقافي والفني والعلمي والأدبي والحضاري الذي لم يجد من ينفض عنه الغبار ويأخذ بيده، بعد أن عبثت به حروب الإمامة أدهارًا طويلة، ثم عادت بصورتها الحوثية بدعم فارسي، وبدعم من بعض دول الخليج من وراء الستار، فانقلبوا ثم عبثوا باليمن كما عبث ملالي طهران بإيران وبددوا ثرواته وأجاعوا شعبه، حتى باتت المرأة الإيرانية تبيع شرفها، وتبيع الشريفة الماجدة العربية عرضها على إثرهم لتقتات، في العراق وسوريا ولبنان، وأينما اتجه شرهم وحلت بين الشعوب ميليشياتهم.

خلاصة القول: بينما قد يبدو الموضوع بسيطًا من الناحية اللغوية للتسمية، إلا أنه في الواقع يحمل رمزية كبيرة لكل طرف، ما يجعل التوصل إلى توافق بشأنه أمرًا صعبًا في ظل استمرار التوترات الإقليمية وإصرار إيران على التنمر وبناء القوة لتهديد أمن جيرانها، وسيظل الخلاف حول تسمية الخليج العربي بالعربي انعكاسًا لصراع تاريخي أوسع بين الهوية والتاريخ العربي من جانب، وبين الدعوات الإيرانية من جانب آخر.

زر الذهاب إلى الأعلى