اتفاقية مكة.. ماذا يعني «الردع الجماعي» عمليًا لجيوش الدول الثلاث؟
وقّع ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف في الديوان الملكي بقصر الصفا بمكة المكرمة «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، التي تنص على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع، في أول إطار دفاع جماعي من نوعه يجمع ثقلًا اقتصاديًا وروحيًا وجيشين من أثقل جيوش المنطقة.
الاتفاقية تهدف إلى تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء وتُعنى بتطوير كل أوجه التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، دون أن تذكر التزامات القوات أو آليات القيادة أو الجداول الزمنية. ومن هنا يبرز السؤال: ماذا يعني هذا البند عمليًا لجنود يرابطون على خطوط النار؟
اتفاقية مكة.. رسائل تتجاوز نص البيان
حمل المشهد في قاعة التوقيع رسائل تتجاوز نص البيان؛ إذ وصل رئيس الوزراء الباكستاني إلى مكة ومعه رئيس أركان جيشه الجنرال عاصم منير، وأدى الاثنان مناسك العمرة قبل القمة.
حضور القائد العسكري إلى جانب رئيس الحكومة يشي بأن الاتفاق يتجاوز البروتوكول الدبلوماسي إلى تفاهم أركان حرب.
في المقابل وقف أردوغان صاحب ثاني أكبر جيش في حلف الناتو وصناعة حربية متنامية، وإلى جانبهما ولي العهد السعودي الذي يدير أضخم ميزانية دفاعية خليجية ويبحث عن ضمانات أمنية بعد أن اهتزت ثقة دول الخليج في الدور الأمريكي الواقي.
جاء نص البيان الرسمي في ثلاث فقرات قصيرة، تبدأ بتلبية دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود للرئيس التركي ورئيس الوزراء الباكستاني، وتنتقل إلى استعراض العلاقات المتميزة والقضايا ذات الاهتمام المشترك، ثم تنتهي إلى جملة الردع الشهيرة التي جعلتها وكالات العالم تقارن الاتفاق بالمادة الخامسة من معاهدة الناتو.
الغياب الأبرز يظل في التفاصيل: لا نصٌّ على عدد القوات، ولا قيادة موحدة، ولا شروط استدعاء، ولا آلية تحرك.
اتفاقية مكة.. كيف نفهم لحظة التوقيع؟
لا يمكن فهم لحظة التوقيع دون تتبع مسار التصعيد الذي سبقها.
بدأت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي، وسرعان ما اتسعت رقعة النار إلى الخليج، عبر هجمات عدائية من إيران، وعمليات إرهابية من الميليشيات الحوثية، ليقفز سعر النفط فوق 100 دولار لأول مرة منذ مايو.
وقد وقّعت الرياض اتفاقية الدفاع مع إسلام آباد في سبتمبر 2025، وأسست مع 13 دولة بينها تركيا وباكستان «التحالف البحري متعدد الجنسيات» في 30 يوليو لحماية الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، وعيّنت اللواء البحري عبدالله بن سالم الشهري قائدًا له قبل يوم واحد فقط من قمة مكة.
اتفاقية مكة.. كيف قرأتها إيران وإسرائيل وأمريكا
على الجبهة الأولى، وقفت طهران متأرجحة بين الاستهانة والحذر؛ فلم يصدر عن القيادة الإيرانية أي بيان رسمي، لكن مسؤولًا رفيعًا حذّر من أن الاتفاق لن يضمن أمن المملكة.
ثم جاءت المفارقة الأكبر في هذا الأسبوع: وزير الخارجية عباس عراقجي خرج ليدعو إلى «وحدة المسلمين» و«الاعتماد على أنفسنا فقط وترسيخ الأخوة الحقيقية»، في رسالة بدت كأنها تريد سحب اللغة الإسلامية نفسها التي قامت عليها الاتفاقية، وتحويلها إلى سردية بديلة تُظهر إيران راعية للتضامن لا هدفًا لتحالف مضاد، رغم أن اتفاقية مكة نفسها أكدت على أن الغرض الأساسي من التحالف الذي أقرته غرضه الأول دفاعي لا هجومي، ورحبت الدول الثلاث بانضمام أي دولة عربية إسلامية أخرى.
الإسرائيليون قرأوا الاتفاقية قراءة قلقة؛ فوصفته غاليا ليندنشتراوس، الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي والمتابعة لملف تركيا، بأنه «تطور مقلق جدًا يضيف عنصرًا عسكريًا إلى جبهة سياسية تتبنى موقفًا مناهضًا لإسرائيل».
وأشارت إلى أن السعودية وتركيا تنظران إلى البعد النووي ولديهما الكثير لتكسباه من تعاون دفاعي وثيق مع باكستان.
أما واشنطن فبدت منقسمة بين ترحيب إدارة ترامب بمبدأ تقاسم الأعباء بين حلفائها، وبين قراءة المحللين الذين يرون في الاتفاق رسالة بأن المنطقة لم تعد تثق بالمظلة الأمريكية بعد حرب إيران التي عجزت عن احتوائها.
وقد ذهب محللون أبعد في التفسير حين رأوا في التوقيع إشارة ثقة مشروطة لا قطيعة مع واشنطن، فالتعاون الدفاعي الجديد يتقدم بعلمها وضمن عقيدة تقاسم الأعباء.
رسائل الرياض وأنقرة بعد اتفاقية مكة
وسارعت الرياض إلى إدارة الرسائل إعلاميًا؛ فقال نائب وزير الخارجية للدبلوماسية العامة رائد كرملي إن الاتفاق لا يمثل محاولة لتشكيل محور عسكري أو كتلة طائفية، ولا يشكل تهديدًا لأمن أي دولة في المنطقة، ولا يلغي أي اتفاقيات قائمة.
وأوضحت مصادر سعودية أن الاتفاقية ليست مرتبطة بمساعٍ نووية، في نفي مباشر للتكهنات الإسرائيلية.
ومن جهة أنقرة، وصف نائب الرئيس التركي جودت يلماز التوقيع بأنه «خطوة تاريخية» تعزز المنظومة الأمنية الإقليمية، وذهب أبعد من البعد العسكري حين توقع أن تعطي روح التعاون زخمًا للاقتصاد في التجارة والتمويل والاستثمار، فيما وصف وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان الاتفاقية بأنها إطار استراتيجي لشراكة دفاعية طويلة الأمد ترسّخ التنسيق والتكامل الدفاعي.

ماذا بعد توقيع اتفاقية مكة؟
وهنا يبرز السؤال الذي لم تجبه التغطية الرسمية: هل يضيف الاتفاق قوات جديدة إلى الميدان؟
تذكّر المعطيات المتاحة أن جزءًا من «الردع الجماعي» كان قائمًا قبل الحبر؛ إذ أرسلت باكستان قوات ودفاعات جوية إلى السعودية قبل التوقيع، ووقعت الرياض معها اتفاقية دفاع استراتيجي في سبتمبر 2025 جعلت أي عدوان على إحداهما عدوانًا على الأخرى.
وتملك المملكة اتفاقية دفاع مشترك مع دول مجلس التعاون منذ عام 2000، ولم تصل أي من هذه الاتفاقات إلى مستوى استجابة المادة الخامسة في الناتو، وفق تقديرات مركز أتلانتيك كاونسل.
وقال خبير لرويترز ما يلخص الإشكال: الدول لا توقّع عادة اتفاقية دفاع مع دولة تتعرض لأكثر من ألف هجوم في خمسة أشهر، فإما أن يكون الاتفاق لغة ردع سياسية قبل أن يكون خطة قتال، أو أن تبقى ظروف الاستدعاء الفعلية غامضة حتى لحظة الحاجة.
ما الذي يميز هذه الاتفاقية؟
ما يميّز هذه الاتفاقية عن سابقاتها ما تراكم خلف بند الردع الشكلي في غرف الصناعات الحربية.
تتحدث تقارير متخصصة عن توجه ثلاثي للعمل المشترك على المقاتلة الشبحية «كاعن» التركية، بمشاركة سعودية تمول وتضيف عمقًا إنتاجيًا مقابل وصول الرياض لأعمال الفضاء، مع خطط لتجميع نهائي وإنتاج محلي في السعودية انطلاقًا من العام الحالي باستهداف توطين نسبته 70%، وإن بقيت نسب نقل التكنولوجيا وجداول التسليم غير معلنة.
وعلى خط موازٍ استكشفت شركة الطيران الباكستانية وشركة الصناعات الجوية التركية تحديث الطائرات والإلكترونيات والتدريب والمشاريع المشتركة، وزارت 14 شركة تركية باكستان في ديسمبر الماضي لبحث التصنيع ونقل التكنولوجيا.
المشروع الأعمق هنا: تحويل علاقة شراء سلاح بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد إلى علاقة تصنيع سيادي ثلاثي، وهو ما عبّرت عنه صحف تركية حين وصفت التعاون الصناعي الدفاعي المستدام بأنه ضرورة استراتيجية لا رفاهية تجارية.
ويرى المراقبون أن جوهر ما جرى في مكة إعادة ترتيب الأوراق في مشهد أمني إقليمي جديد، وأن التوقيع على الوثيقة شكل الغلاف الخارجي لهذه العملية؛ فالرياض وقعت اليوم على شبكة ضمانات من دول مسلمة كبرى، وأنقرة التي وسعت مظلتها الدفاعية إلى قطر وسوريا وليبيا أضافت إليها ثقلًا ماليًا وروحيًا ضخمًا، وإسلام آباد التي تعاني اقتصادًا متعثرًا وجدت في الاتفاق نافذة نفوذ إقليمي ودخلًا استثماريًا، وفي المقابل أبقى الثلاثة جنودهم بعيدًا عن خط النار المباشر إلى الآن، وجعلوا من الاتفاق ورقة ردع يقرأها الخصوم قبل أن تتحرك بها الجيوش.
المنطقة التي عاشت عقودًا تحت مظلة خارجية تبدأ في بناء هندستها الأمنية بنفسها، ولو على مهل، وهذا مهم للجميع.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الوئام , ولا يعبر عن وجهة نظر حضرموت نت وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الوئام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة على المصدر السابق ذكرة.
اسأل أي سؤال يتعلق بهذا الخبر