يمنيون يفترشون الطرقات جوعاً ،والحوثيين ينفقون المليارات في خرافة المولد للإستعراض وبرز العضلات 

الكاتب/نصيب محمد الحارثي

هكذا تحول ذكرى مولد النبي إلى مهرجان للإنفاق، بينما يبحث اليمني عن كسرة خبز، يصبح السؤال أكبر من الاحتفال، أين الرحمة التي يتحدثون عنها ،تحت لافتات ضخمة كُتب عليها قول الله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين)

يمر اليمني الجائع، لا إلى بيتٍ عامر، ولا إلى سوقٍ مزدهر، بل إلى قارعة الطريق، يفترش الأرض، ويمد يده طالباً ما يسد به رمق أطفاله ،يا لها من مفارقة موجعة ،ولافتةٌ قد تنفق عليها أموال طائلة، وإضاءةٌ واحتفالاتٌ وحشودٌ ومهرجانات، بينما الإنسان الذي يفترض أن تكون الرحمة النبوية عنواناً لحياته يجلس على الرصيف يبحث عن صدقة ،فأي رسالة يريدون إيصالها للناس،هل كان النبي محمد ﷺ يجعل الفقراء وقوداً للمظاهر هل كانت الرحمة في الإسلام تُقاس بحجم المنصات والأضواء والرايات ،أم أن الرحمة تبدأ من إطعام الجائع، وكسوة العاري، وإغاثة الملهوف، وحفظ كرامة الإنسان ،اليمن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى خبزٍ ودواءٍ وراتبٍ وأمانٍ وكرامة.

وتشير بيانات الأمن الغذائي لعام 2026 إلى أن ملايين اليمنيين يعانون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يحتاج أكثر من نصف السكان إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية، وفي مناطق سيطرة الحوثيين، تحدثت تحليلات حديثة عن منظومة واسعة من الجبايات والرسوم والتبرعات الإلزامية المرتبطة بتمويل المجهود الحربي والفعاليات الدينية والأيديولوجية، في الوقت الذي بقي فيه الإنفاق على الخدمات الاجتماعية عند مستويات متدنية.

وهنا تحديداً يصبح المشهد أكثر إيلاماً كيف يمكن أن تُرفع عبارة (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين) فوق لافته في احتفال، بينما يقف تحتها إنسانٌ جائع يتسول، إن المشكلة ليست في محبة رسول الله ﷺ، فمحبته في قلوب اليمنيين لا تحتاج إلى مهرجان ولا إلى منصة ولا إلى مليارات المشكلة في توظيف الدين لتحويل الفقر إلى مشهد، والاحتفال إلى استعراض، والمعاناة إلى خلفيةٍ لخطاب سياسي وأيديولوجي.

لقد جاء النبي ﷺ بالرحمة لا بإذلال الإنسان.

جاء ليقول إن كرامة الإنسان محفوظة، وإن إطعام الجائع عبادة، وإن مساعدة المحتاج مسؤولية، وإن المال أمانة، وإن السلطة ليست غايةً بذاتها أما أن يُترك المواطن يبحث عن لقمة عيشه، ثم تُقام أمام عينيه الاحتفالات تحت شعار الرحمة، فهذه ليست مأساة اقتصادية فحسب، إنها مفارقة أخلاقية صارخة والأكثر مرارة أن اليمني الذي أنهكته الحرب والجبايات وغياب الرواتب وتدهور المعيشة، يجد نفسه أمام احتفالات ضخمة،تكلف المليارات ،بينما بيته يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

لقد كشفت السنوات الماضية عن اقتصاد حربٍ يبتلع موارد المجتمع، وعن ملايين اليمنيين الذين يدفعون ثمن صراعٍ لا ينتهي ،وقد وثقت تقارير حديثة اتساع دائرة الجوع وتراجع القدرة الشرائية وازدياد الاعتماد على شراء الاحتياجات الغذائية بكميات تكاد تكفي ليوم واحد أو وجبة واحدة ،وهنا يجب أن نسأل بلا خوف إذا كان الاحتفال بالمولد تعبيراً عن المحبة، فأين نصيب الفقير من هذه المحبة؟

إذا كان شعارهم الرحمة، فأين الرحمة بالموظف الذي ينتظر راتبه ،أين الرحمة بالأسرة التي لا تستطيع شراء الدواء؟أين الرحمة بالطفل الذي ينام جائعاً أين الرحمة بالأرملة التي تمد يدها في الشارع؟أين الرحمة باليمني الذي تحول من مواطنٍ منتج إلى إنسانٍ يبحث عن المساعدة؟إن اليمن لا يحتاج إلى لافتات مكتوب عليها (الرحمة) بقدر ما يحتاج إلى أن تتحول الرحمة إلى سلوكٍ وسياسةٍ وقرار فإذا كانت هناك أموال تُجمع باسم الاحتفال، فالأولى أن تذهب إلى الفقراء وإذا كانت هناك موارد تُحصّل من الناس، فالأولى أن تعود إليهم في صورة رواتب وخدمات ومشاريع وإذا كان المقصود فعلاً إحياء سيرة النبي ﷺ، فأعظم إحياء لسيرته هو أن يرى الناس في حياتهم شيئاً ،من عدله ورحمته وأخلاقه ،أما أن يموت الفقير جوعاً وتبقى اللافتة فوق رأسه تقول (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين)فإن المشهد لا يحتاج إلى تعليق طويل

إنه سؤال واحد يختصر كل شيء أين الرحمة؟إن الحوثيين، منذ انقلابهم على الدولة، لم يقدموا لليمنيين نموذجاً من الاستقرار والرخاء، بل ارتبطت سنوات حكمهم بالحرب والانقسام والجبايات وتدهور المعيشة وتعطيل مؤسسات الدولة، فيما ظل المدني اليمني هو الخاسر الأكبر.د ولهذا سيكتب التاريخ أن الحوثيين كانوا نكبة اليمن في العصر الحاضر جماعة جاءت بشعار الموت، فكان الموت نصيباً من اليمن، وجاءت بشعارات الخلاص، فإذا بالبلاد تغرق أكثر في الفقر والانقسام والحرب.

جاءوا يرفعون شعاراً عن الموت، فإذا بالموت يحاصر اليمنيين ،ورفعوا شعارات دينية كبرى، بينما كانت حياة الناس تنحدر إلى قسوةٍ لا تشبه شيئاً من الرحمة التي يتحدثون عنها، واللعنة الحقيقية ليست في ذكرى النبي ﷺ، ولا في محبة رسول الله، ولا في الصلاة والسلام عليه اللعنة هي أن يُستغل اسم الدين لتبرير الظلم، وأن تتحول المقدسات إلى ستارٍ للجباية والاستعراض، وأن يُترك الفقير على قارعة الطريق بينما تُرفع فوقه شعارات الرحمة إن رسول الله ﷺ بريء من كل ظلمٍ يُرتكب باسمه، وبريء من كل جائعٍ يُهان، ومن كل فقيرٍ يُترك على الرصيف، ومن كل إنسانٍ تُسلب كرامته تحت أي شعار ،فلا تجعلوا من المولد موسماً للمظاهر اجعلوه موسماً للرحمة ،أطعموا الجائع ،أغيثوا الفقير ،أعيدوا للموظف راتبه،أعيدوا للمواطن كرامته وأوقفوا الجبايات التي أثقلت كاهل الناس ،فهذا أقرب إلى روح الرسالة من آلاف اللافتات وأضخم الاحتفالات اليمن لا يريد أن يرى الرحمة مكتوبةً على الجدران،اليمن يريد أن يراها تمشي بين الناس ،وفي بلدٍ ينام فيه الفقير على الرصيف، لا قيمة لأي احتفالٍ لا يستيقظ بعده الفقير على خبزٍ وكرامة وأمان ،هذه هي المفارقة التي ستبقى شاهدة عليهم ،كتبوا (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين)

ثم تركوا الشعب اليمني يبحث عن الرحمة في قارعة الطريق.

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل
صحفي إسباني يشن هجومًا حادًا على مورينيو بسبب فينيسيوس