عبدالوهاب محمود.. صانع السياسات الاقتصادية في العصر الذهبي لليمن

موجز الخبر الذكي AI ✦

  • أثر الدكتور عبدالوهاب محمود في تشكيل ملامح المرحلة الأولى للجمهورية اليمنية
  • شارك في إدارة مؤسسات الدولة وصناعة قراراتها الاقتصادية والسياسية
  • لعب دوراً مهماً في بناء العلاقات الاقتصادية الخارجية للبلاد

د. عبدالوهاب محمود، المعروف بـ أبو رامي، كان رجل اقتصاد ودولة أسهم في تشكيل ملامح المرحلة الأولى للجمهورية اليمنية، وترك بصمة واضحة في مسيرة الاقتصاد اليمني وصناعة القرار العام.

كتب / عادل السبئي

ليست كل الشخصيات الوطنية ابنة زمنها فقط، بعضها يصبح جزءا من ذاكرة الوطن، لأن أثرها يتجاوز حدود المنصب إلى معنى المرحلة، ويتخطى حضور الأشخاص إلى ما تركوه في مؤسسات الدولة ومسارها العام على المدى البعيد.

وحين تُستعاد سيرة اليمن الجمهوري في سنواته الأولى، وتُفتح صفحات مرحلة بناء الدولة ومؤسساتها، يطل اسم الدكتور عبدالوهاب محمود عبدالحميد، أبو رامي ، بوصفه واحدا من أبرز رجال الاقتصاد والدولة الذين أسهموا في تشكيل ملامح تلك المرحلة، وتركوا بصمة واضحة في مسيرة الاقتصاد اليمني وصناعة القرار العام.

عاد أبو رامي إلى اليمن بعد ثورة سبتمبر المجيدة، حاملا تأهيلا رفيعا في الاقتصاد الدولي من أعرق الجامعات العالمية، في زمن كانت فيه الجمهورية الناشئة تخوض معركتها الأصعب: معركة الانتقال من فكرة الثورة إلى بناء الدولة، ومن شرعية التغيير إلى مؤسسات قادرة على إدارة مجتمع ودولة واقتصاد. كانت البلاد يومها في أمس الحاجة إلى أبنائها الذين حملوا العلم والخبرة من الخارج، في وقت كانت فيه الكفاءات المتخصصة نادرة، وكانت مؤسسات الدولة لا تزال في طور التشكل. ومن بين هؤلاء عاد عبدالوهاب محمود ليضع علمه في خدمة وطن كان يبحث عن رجاله.

في عهد الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني، ومنذ عام 1970م، بدأ مسيرته في العمل الاقتصادي الحكومي باحثا في وزارة الاقتصاد، ثم مديرا لمكتب رئيس الوزراء محسن العيني للشؤون الاقتصادية، قبل أن يتولى عام 1973م منصب وكيل وزارة الاقتصاد في حكومة العيني، ويصبح عضوا في مجلس إدارة البنك المركزي اليمني ومجلس إدارة البنك اليمني للإنشاء والتعمير. ولم يكن هذا التدرج مجرد صعود إداري في سلم الوظيفة العامة؛ فقد كان انتقالا مبكرا من المعرفة الأكاديمية إلى قلب الدولة، ومن دراسة الاقتصاد إلى المشاركة في إدارة اقتصاده وصناعة قراراته.

ثم جاءت مرحلة الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي، وهي المرحلة التي ستحتل موقعا استثنائياً في مسيرة الدكتور أبو رامي.

فمع حركة التصحيح، برزت الحاجة إلى رجال يمتلكون المعرفة والقدرة على تحويل الرؤية السياسية إلى مؤسسات وسياسات وبرامج، فاختير عبدالوهاب محمود وزيرا للاقتصاد.

وهنا تتجاوز سيرته حدود المنصب الوزاري، إذ كان واحدا من الكفاءات التي ارتبط حضورها بمشروع إعادة بناء الدولة وتنظيم مؤسساتها الاقتصادية، وصياغة الأطر التي تتحرك في نطاقها قطاعات الاقتصاد العام والخاص. لقد كان الاقتصاد في تلك المرحلة أحد مفاتيح مشروع الدولة، وكان أبو رامي في قلب هذا المشروع، لا بوصفه منفذا لقرارات جاهزة فحسب، وإنما باعتباره أحد الذين شاركوا في صياغة الرؤية الاقتصادية وترجمة أهدافها إلى أدوات وسياسات قابلة للتنفيذ.

وفي مرحلة لاحقة، انتقل من موقع صناعة السياسة إلى موقع إدارة أدواتها التنفيذية، فتولى رئاسة مجلس الإدارة الموحد للمؤسسات الاقتصادية، الذي ضم مؤسسات وشركات تجارية وصناعية تابعة للدولة، إلى جانب مؤسسات الاستيراد والتصدير والمجمعات الاستهلاكية. وهنا تبدت أهمية تجربته بصورة أوضح؛ فالرجل الذي شارك في وضع الإطار الاقتصادي العام أصبح مسؤولا عن إدارة مؤسسات تتحرك داخل هذا الإطار، وعن تحويل السياسة من فكرة مكتوبة إلى نشاط اقتصادي وإداري ملموس. وفي الوقت نفسه، اتسع حضوره إلى الخارج، فترأس وفودا إلى مؤتمرات اقتصادية عربية ودولية، وشارك في اتفاقيات للتعاون والاستثمار، واضعا خبرته في خدمة علاقات اليمن الاقتصادية ومصالحها في محيطها العربي والدولي.

ثم جاء انتقاله إلى العمل الدبلوماسي مستشارا اقتصاديا في سفارة الجمهورية العربية اليمنية في بريطانيا، قبل أن يعود إلى صنعاء ليبدأ مرحلة جديدة مع الرئيس علي عبدالله صالح الذي عينه مستشارا اقتصاديا له.

وكان ذلك امتدادا لمسيرة رجل دولة لم يكن الاقتصاد بالنسبة إليه تخصصا أكاديميا فحسب، بل مدخلا لفهم الدولة وإدارة مؤسساتها وعلاقاتها ومصالحها.

وفي مطلع الثمانينيات، عُين وزيرا للزراعة والري، فانتقل من إدارة الملف الاقتصادي العام إلى واحد من أكثر القطاعات التصاقا بحياة اليمنيين وأمنهم الاقتصادي. ثم غادر السلطة التنفيذية إلى السلك الدبلوماسي، فعمل سفيرا للجمهورية العربية اليمنية لدى دولة الكويت، ثم سفيرا لدى المملكة المغربية بين عامي 1982 و1985، قبل أن يعود عام 1987م إلى وزارة الاقتصاد، ويتولى مجددا رئاسة مجلس الإدارة الموحد، في عودة تؤكد أن الاقتصاد ظل المحور الأبرز في تجربته المهنية، مهما تنوعت المواقع وتعددت المسؤوليات.

ومع قيام دولة الوحدة اليمنية، اتسعت دائرة الرجل الذي بدأ حياته العامة من بوابة الاقتصاد، فانتقل إلى قطاع الخدمات والبنية التحتية، وأسندت إليه وزارة الكهرباء والمياه، كما ترأس مجلس إدارة المؤسسة العامة للكهرباء والمؤسسة العامة للمياه والصرف الصحي. ثم انتقل في مرحلة أخرى من حياته العامة من السلطة التنفيذية إلى السلطة التشريعية، فانتُخب عضوا في مجلس النواب ثلاث مرات، وفي المرات الثلاث اختير نائبا لرئيس المجلس للشؤون الخارجية، وظل في هذا الموقع حتى رحيله.

تلك ليست، إذن، سيرة رجل تنقل بين المناصب فحسب؛ إنها سيرة جيل من رجال الدولة الذين وجدوا أنفسهم في قلب مرحلة استثنائية من تاريخ اليمن، حين كانت الجمهورية لا تزال تبحث عن ملامحها المؤسسية، وحين كان بناء الدولة يتطلب أكثر من الحماس السياسي: كان يتطلب العلم، والخبرة، والقدرة على الإدارة، وفهم الاقتصاد بوصفه أحد أعمدة الاستقرار والسيادة الوطنية.

ومن هنا تأتي أهمية عبدالوهاب محمود في الذاكرة اليمنية. فقد كان اقتصاديا في زمن كان الاقتصاد فيه جزءا من مشروع بناء الدولة، ووزيرا حين كانت الوزارة أداة للتأسيس لا مجرد موقع إداري، ودبلوماسيا حين كانت العلاقات الخارجية امتدادا للمصلحة الوطنية، وبرلمانيا حين انتقل من إدارة مؤسسات الدولة إلى مراقبتها والمشاركة في صناعة تشريعاتها. تعددت المواقع، لكن بقي جوهر تجربته واحدا: رجل دولة جعل من العلم والخبرة وسيلة لخدمة وطنه، ومن الإدارة والعمل العام مسؤولية لا امتيازاً.

ولعل قيمة هذه السيرة اليوم لا تكمن في تعداد المناصب التي شغلها أبو رامي، بقدر ما تكمن في استعادة معنى كان حاضراً في تلك المرحلة ، أن الدولة لا تُبنى بالأشخاص وحدهم، وإنما بالكفاءات التي تعرف كيف تحول المعرفة إلى قرار، والقرار إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى تنمية. وفي هذا المعنى، كان عبدالوهاب محمود واحدا من أبناء مرحلة التأسيس الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية الانتقال باليمن من دولة الثورة إلى دولة المؤسسات.

رحل أبو رامي، لكن الرحيل لا يملك أن يمحو أثرا تركته عقود من العمل العام. بقي اسمه في ذاكرة الاقتصاد اليمني، وفي سجلات الدولة، وفي مسيرة الدبلوماسية والسلطة التنفيذية والتشريعية، وبقيت سيرته شاهدة على زمن كان اليمن فيه يراهن على أبنائه المتعلمين، وعلى أن الكفاءة يمكن أن تكون إحدى أدوات النهوض الوطني.

رحم الله الدكتور عبدالوهاب محمود عبدالحميد، أحد رجال اليمن الذين آمنوا بأن الوطن يُخدم بالعلم والعمل، وأن بناء الدولة مسؤولية تتجاوز الأشخاص والمراحل. وستظل سيرته، بما حملته من علم وتجربة ومسؤولية، جزءا من ذاكرة اليمن، ووجها من وجوه ذلك الزمن الذي كان فيه بناء الاقتصاد وبناء الدولة وجهين لمشروع وطني واحد.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عدن الغد , ولا يعبر عن وجهة نظر حضرموت نت وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عدن الغد ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة على المصدر السابق ذكرة.

اسأل الخبر مساعد ذكي يجيب اعتمادًا على سياق الخبر ومحتوى الموقع فقط

اسأل أي سؤال يتعلق بهذا الخبر

جارِ تحميل الأسئلة المقترحة...
زر الذهاب إلى الأعلى