الحوار الجنوبي بالرياض : فرصة تاريخية لترتيب البيت الجنوبي

كتب / وضاح بن عطية
ليس من المبالغة القول إن الدعوة إلى عقد حوار جنوبي شامل في الرياض تمثل لحظة سياسية فارقة في مسار القضية الجنوبية، لحظة تتطلب قراءة عقلانية بعيدة عن الانفعال، واستحضار المصلحة الوطنية الجنوبية العليا فوق أي حسابات ضيقة أو ردود فعل آنية.
السؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح بصدق : أي دولة عربية، غير المملكة العربية السعودية، تمتلك النفوذ والقدرة السياسية والدبلوماسية على رعاية حوار جنوبي شامل وتحويل مخرجاته إلى مسار معترف به إقليميا ودوليا ؟ إن الواقعية السياسية تفرض الإعتراف بأن السعودية، بثقلها ومكانتها الدولية، هي الدولة الوحيدة القادرة على منح هذا الحوار بعده الحقيقي، لا بوصفه اجتماعا عابرا، بل كعملية سياسية ذات وزن وتأثير .
إن انعقاد الحوار الجنوبي في الرياض، وتحت أنظار الأمم المتحدة والدول الكبرى، يُعد أول تدويل منظم وفعلي للقضية الجنوبية، وهو تطور نوعي ينقلها من مربع المطالب المحلية إلى فضاء الشرعية الدولية، حيث تُناقش الحقوق وتُحمى القضايا العادلة.
هذا التدويل لا ينتقص من القرار الشعبي الجنوبي، بل يعززه ويمنحه سندا سياسيا طال انتظاره.
ومن غير المنطقي، ولا المنصف، معارضة مخرجات حوار قبل أن يبدأ. فالحوار بطبيعته مساحة لعرض الرؤى وتبادل الضمانات وصياغة التوافقات، لا ساحة لفرض الإملاءات. ومن يرفع شعار التصالح والتسامح الجنوبي لا يمكنه، من حيث المبدأ، أن يرفض الحوار، لأن الحوار هو الإمتداد العملي والواقعي لذلك الشعار، وهو أداته السياسية لاختبار صدقيته على الأرض .
الحوار الجنوبي الشامل ليس تنظيرا ولا ترفا سياسيا، بل ضرورة وطنية لإعادة ترتيب البيت الجنوبي من الداخل، وتجميع القوى والمكونات حول ثوابت مشتركة، وفي مقدمتها حق شعب الجنوب في تقرير مصيره. فبدون حوار جامع، تبقى الانقسامات ثغرات مفتوحة تُستغل لإضعاف القضية وإرباك مسارها .
أما على صعيد الأمن والاستقرار، فقد أثبتت استجابة القيادات الجنوبية للحوار أنها خطوة مسؤولة أسهمت في تهدئة الأوضاع وطمأنة القوات الجنوبية، في لحظة كانت فيها مخاطر الفوضى حاضرة بقوة. هذا الاستقرار لم يكن مجرد حالة سياسية، بل تُرجم عمليا في ضمان صرف مرتبات القوات الجنوبية دون إقصاء، وهو ما عزز الثقة ومنع الانزلاق نحو صراعات داخلية تخدم خصوم الجنوب.
ومن الخطأ الفادح تشبيه الحوار الجنوبي في الرياض بتجارب حوارات سابقة فاشلة، وفي مقدمتها حوار صنعاء. فالفارق الجوهري أن حوار الرياض غير مقيد، ويكفل مشاركة عادلة لكافة أبناء الجنوب، بعيدا عن هيمنة أو تدخل قوى الإحتلال اليمني التي كانت تفرغ أي حوار من مضمونه وتحوله إلى أداة إقصاء .
لقد ظل شعب الجنوب، منذ حرب 1994، ينادي الأشقاء ويتطلع إلى موقف عربي صادق يدعم قضيته العادلة. واليوم يتحقق ذلك عبر تبني دولة محورية شقيقة للحوار الجنوبي، في خطوة تعكس تحولا سياسيا مهما، وتفتح صفحة جديدة في العلاقة مع المملكة العربية السعودية، قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، لا على سوء الفهم الذي غذّته أطراف معادية للجنوب طوال العقود الماضية .
إن هذه اللحظة تمثل فرصة تاريخية حقيقية لتحقيق الهدف الجنوبي الشعبي، عبر لمّ الشمل الوطني الجنوبي في إطار جامع، يستثمر الدعم الإقليمي والدولي دون التفريط بالثوابت، ويؤسس لمسار آمن نحو الاستقلال والسيادة. فالطريق إلى الدولة لا يُبنى بالاندفاع ولا بالمزايدات، بل بالحكمة، ووحدة الصف، وحسن إدارة التحالفات.
إن الحوار الجنوبي في الرياض ليس نهاية النضال، بل بداية مرحلة جديدة أكثر نضجا وفاعلية، تُدار فيها القضية الجنوبية بعقل الدولة، وبإرادة شعب يعرف ماذا يريد، ويُحسن اختيار الطريق الذي يقوده إلى حقه المشروع .







